المالكي: تمويل الاقتصاد الوطني يقتضي إصلاح النظام الضريبي

المالكي: تمويل الاقتصاد الوطني يقتضي إصلاح النظام الضريبي

بعد التشخيص الذي خضع له النظام الجبائي المغربي، خلال المناظرة الوطنية الثالثة حول الجبايات، المنعقدة بمدينة الصخيرات شهر ماي الماضي، يظهر أن المسؤلين المغاربة باتوا مقتنعين بأن المنظومة الضريبية الوطنية بحاجة إلى تطوير، لتكون قادرة على مواكبة التحديات المالية الملحة التي تواجه المغرب.

هذه القناعة بدت جلية في مضامين الكلمة التي ألقاها الحبيب المالكي، رئيس مجلس النواب، خلال ندوة نظمها المجلس، صباح الأربعاء، حول "تمويل الاقتصاد الوطني: نحو تنمية إدماجية"، حيث قال إن من بين الإجراءات التي يقتضيها توفير التمويل الكافي للاقتصاد الوطني إصلاح النظام الضريبي.

وشدد المالكي على أن التساؤلات المطروحة حول مدى قدرة مصادر التمويل الداخلية التقليدية، من ميزانية الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية وقروض الأبناك الوطنية، على الاستجابة لتمويل الاقتصاد الوطني الصاعد، توجد لها أجوبة إيجابية، تؤكد وجود إمكانيات وافرة للتمويل، إذا تم تعزيز وتطوير النظام الضريبي، وجعله أكثر صرامة وإنصافا، وتوسيع الوعاء الضريبي وضمان استدامته.

واعتبر رئيس مجلس النواب أن إصلاح المنظومة يقتضي إدماج الاقتصاد غير المهيكل في نظام الدورة الاقتصادية النظامية، لكون استدامة التمويل العمومي مشروطة بمداخيل جديدة قارة ومستدامة مندمجة، تمكّن من خلق توازن بين المداخيل والنفقات.

وظهر، من خلال كلمة المالكي أن التحركات الأخيرة التي قادها الملك لدفع الأبناك المغربية إلى المساهمة في تمويل الاقتصاد الوطني كان وراءها تراجع الثقة في التمويل الخارجي، إذ قال المالكي إن هذا التمويل، المتمثل بالأساس في الاقتراض، وإن كان يشكل آلية تمويل ناجعة، فإنه، من ناحية أخرى، يبقى مصدرا محدودا، بالنظر إلى الاعتبارات الجيو سياسية، في ظل التقلبات الإقليمية والدولية، والظرفية العالمية.

محدودية التمويل الخارجي، والصعوبات التي تكتنف الحصول عليه في ظل التحولات الدولية، يجعل من الأفيد تنويع مصادر الاقتصاد الوطني، والتحفيز على جعله يعتمد على التمويل الذاتي بأكبر قدر ممكن، ويخلق أنشطة جديدة، حسب المالكي، متسائلا، في هذا الإطار، حول ما إن كان سعر الفائدة الرئيسي، المتعلق بالتمويل الداخلي، لا يؤثر على اللجوء إلى الاقتراض لتمويل المشاريع.

من جهة ثانية، دعا رئيس مجلس النواب إلى البحث عن سبل أخرى لتطوير الاقتصاد الوطني، مقترحا تحويل الإمكانيات التي تزخر بها البادية المغربية إلى مصدر للثروة وتوفير فرص الشغل، ودعم الطبقة الوسطى في العالم القروي، وتحويل النقص إلى فرص للنجاح بضمان الأمن الغذائي وتطوير الفلاحة، لتحقيق التنمية والحد من الهجرة.

وأردف المتحدث ذاته بأن الغذاء ومصادره ستكون في أصل النزاعات الإقليمية والدولية على المستوى البعيد، وستكون حاسمة في الإستراتيجيات الدولية، وهو ما يتطلب خلق دينامية مقاولاتية في العالم القروي لتطوير الاقتصاد الوطني، خاصة أنه منطقة لم تُستغل بعد، وتمثل مستقبلا واعدا للاقتصاد الوطني.

كما دعا المالكي إلى جعل الجهوية الموسعة ركيزة أساسية للتنمية، وذلك بمواكبة التنمية الجهوية، وجعل الاستثمار يأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل جهة على حدة، وإلى تقوية الدعم الخاص بالمقاولات الصغيرة والناشئة، خاصة العاملة في مجالات اقتصاد المستقبل والاقتصاد الأخضر والتصدير، مبرزا أن المرحلة الجديدة التي دخلها المغرب تحتّم إرساء مناخ استثماري سليم وتكريس الشفافية وتبسيط المساطر وتجويد التأطير التشريعي.

من جهته قال حكيم بنشماش، رئيس مجلس المستشارين، إن إصلاح منظومة تمويل الاقتصاد الوطني هو عامل محدد لإصلاح النموذج التنموي، مبرزا أن النظام التمويلي الوطني لازال يعاني من إشكاليات بنيوية، أبرزها تدهور رسلمة البورصة الوطنية بحوالي خمسين مليار درهم سنة 2018، ومحدودية النموذج الاقتصادي للقطاع البنكي الوطني، واستمرار تأخر المغرب في اعتماد الجيل الجديد من أساليب التمويل، إذ يصنف المغرب في الرتبة 119، عالميا، في ما يتعلق بالولوج إلى القروض.

وقدم بنشماش جملة من التوصيات تتعلق بإصلاح منظومة تمويل الاقتصاد الوطني، إذ دعا إلى إحداث منصات تمويل وتتبع مشاريع الشباب والمقاولين الذاتيين، مع تقوية مكانة الأعمال المصرفية الإلكترونية، والتأسيس لمرحلة العملات الرقمية المشفرة، التي هي مصدر للدخل لفئة عريضة من الشباب الذي ينشط في قطاع التشغيل الذاتي، وتسهيل مساطر وصول المقاولات إلى التمويل.

كما دعا رئيس مجلس المستشارين إلى إصلاح عميق للقطاع البنكي، والارتقاء بهندسة ناتجه، وإنشاء سوق خاصة بالمقاولات المتوسطة والصغيرة في بورصة البيضاء، والعمل على وضع إطار قانوني يستوعب الجيل الجديد من المنتجات المالية كسندات المقاولات، والتفكير في إتاحة الإمكانية تمويل الجماعات الترابية عبر السندات، بغية تنويع أساليب تمويلها وتوسيع عرض السوق الوطني لرؤوس الأموال.

واستطرد المتحدث ذاته بأن الابتكار المالي "هو كلمة السر لتسريع منظومة تمويل الاقتصاد الوطني، الذي يتطلب أجوبة براغماتية لتحقيق الإقلاع للالتحاق بالدول الصاعدة"، داعيا إلى خلق صندوق سيادي وطني ليكون قادرا على المساهمة الفعالة في الدينامية الاقتصادية الوطنية، ويكون بمثابة ذراع مالي يواكب الدبلوماسية الوطنية، في ظل سعي المغرب إلى تقوية حضوره في القارة الإفريقية.

محمد بنشعبون، وزير الاقتصاد والمالية، تحدث في مداخلته عن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتسهيل حصول أرباب المقاولات على التمويل، مشيرا إلى أن الحكومة عملت على تجاوز العراقيل التي تواجه الشباب من أصحاب المقاولات والمشاريع الاستثمارية، ومشددا على أهمية المقاولة الصغيرة في تحقيق التنمية الاقتصادية بالمغرب.

ووفق الأرقام التي قدمها بنشعبون فإن نسبة خمسة وتسعين في المائة من المقاولات المغربية لا يتعدى رأسمالها ثلاثة ملايين درهم، أي إنها من المقاولات المتوسطة والصغيرة والصغيرة جدا؛ لكنها، يردف الوزير، تمكّن من خلق فرص الشغل وتعد مساهما في تحقيق النمو المستدام ومحاربة الفقر والاندماج الاجتماعي لفئة واسعة من المجتمع.

وأشار بنشعبون إلى أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للمقاولات الصغيرة والمقاولين الذاتيين، إذ اتخذت عددا من الإجراءات، من بينها الرفع من المبلغ الأقصى للسلفات الصغرى إلى مائة وخمسين ألف درهم، لافتا إلى أن من أبرز العراقيل التي يواجهها حاملو المشاريع من الشباب صعوبات الحصول على التمويل، والفوارق الاجتماعية.

شارك هذا المقال: