بنيس: "الانتقام" يُغذي الأخبار الزائفة .. والمروّجون "تجّار حروب"

بنيس: "الانتقام" يُغذي الأخبار الزائفة .. والمروّجون "تجّار حروب"

حذّر سعيد بنيس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط، من الخطورة الشديدة التي يكتسيها انتشار الأخبار الزائفة المتعلقة بفيروس "كورونا"، ذلك أنها تبثّ الفوضى في المجتمع "من خلال منطق انهزامي"، ما يؤدي إلى زعزعة استقراره.

وشبّه بنيس، في هذا الحوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية، مروّجي الأخبار الزائفة بتجار الحروب الذين يركبون على مآسي الناس في زمن الحرب لتحقيق أرباح ومصالح ذاتية، مبرزا أن الأخبار الزائفة "تغذّيها دوافعُ انتقامية، ولها مفعول وبائي".

إليكم نص الحوار:

بداية، ما هو تعريف الأخبار الزائفة؟.

أولا ظاهرة الأخبار الزائفة (Fake news)، أو الأخبار المسمومة (-Infox toxique)، هي ظاهرة عالمية، إذ إن جميع الدول تعرف انتشار هذه الأخبار الزائفة داخلها وفي ما بينها، وتخلق بعض الحزازات الدبلوماسية، كما حصل قبل أيام بين أمريكا والصين إثر التصريح المنسوب لمسؤول في الخارجية الصينية حول سبب انتشار كورونا.

أشير إلى أن هناك بعض الدول، التي ضيّقت هامش انتشار الأخبار الزائفة، مثل كوريا الجنوبية أو الصين، كان من أسباب نجاح خططها في محاربة جائحة كورونا انضباط مواطنيها واتباعهم المعلومات الرسمية وعدم الاكتراث بالمعلومات الصادرة عن الجهات غير الرسمية. وهنا تتجلى مزايا الانضباط المواطناتي.

كيف تعاطى المغاربة مع الأخبار الزائفة المتعلقة بجائحة كورونا؟.

انطلاقا من طبيعة قيَم المجتمع المغربي التي تتأرجح بين الفردانية والجمعيّة وتجدُّر الثقافة الشفوية، يصبح تشارك الخبر طقسا من طقوس العيش المشترك والحظوة المجتمعية.

كما أن عدم استبطان خطر الأخبار الزائفة من طرف المغاربة يشكل عاملا أساسيا لاستفحال الظاهرة، بالإضافة إلى بعض الأرقام حول اتصالية المغاربة (Connectivité)، لاسيما منها أرقام الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات والانتقال من مجتمع التواصل إلى مجتمع الاتصال عبر ثقافة "بارطجي"، وتفاقم الأمر مع الحجر الصحي، حيث تزايد الاتصال ( Confined but connected)؛ مع إشكالات العزلة الرقمية، ما دفع البعض إلى إبراز فاعليته وتواجده داخل الشبكة من خلال ترويج أخبار كاذبة.

انطلاقا من هذه المعطيات، يبدو توصيف ظاهرة الأخبار الزائفة مرتبطا بالانتقال إلى عهد ما بعد الحقيقة، أو ما بعد الوقائع The post )Ere post vérité ) - The post truth era ) المصطلح الذي اقترحه رالف كيز سنة2004.

هذا المصطلح يحيل على تطور التفاعلات بين المجتمعي والرقمي في القرن 21 بفعل الاستعمال الاجتماعي للأنترنيت، وبالخصوص شبكات التواصل الاجتماعي. وقد وُظف هذا المصطلح سنة 2004 في الولايات المتحدة للإحالة على الخطابات السياسية التي لا تعتمد على الوقائع والحقائق والأدلة، بل تخاطب عاطفة وإحساس الفرد وشعورَه من خلال عبارات خطابية رنانة ومؤثرة، وهو ما يمس بمصداقية الأخبار التي تروجها الفضاءات الرقمية. وكمثال على ذلك ما حصل سنة 2016 إبان حملة البريكست أو ما وقع في الانتخابات الأمريكية. كما أن هذا المصطلح اعتبر في 2016 مصطلح السنة من طرف قاموس أكسفود.

ما المقصود بـ"عهد ما بعد الحقيقة" الذي أشرتم إليه قبل قليل؟.

الحديث عن عهد ما بعد الحقيقة يحيل على هيمنة الخبر والمعلومة التي تخاطب مباشرة الوجدان والأحاسيس، وهذا ما يفسر ظهور موجة "الفايك نيوز" وتواري الخبر والمعلومة الموضوعية القائمة على دلائل فعلية .

لقد أجرى ثلاثة باحثين من معهد "ماساشوستس للتكنولوجيا" دراسة نشرت في مجلة "ساينس" العلمية، خلصت الدراسة إلى أن مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي يميلون إلى مشاركة الأخبار الزائفة على نحو أوسع وأسرع مقارنة بالأخبار الحقيقية.

هل ثمّة أسباب أخرى لانتشار الأخبار الزائفة في المجتمع المغربي؟.

نعم، تأجيج الأخبار الزائفة وانتشارها بالمغرب مرده كذلك إلى حاجة المتلقي إلى تعويض نفسي عن بعض الإحباطات، كأن يقبل بسهولة أن محاربة جائحة كورونا متوقف على عشاب مغربي أو رؤيا ليلية، ما يساعد على تأويل الأخبار الكاذبة كشكل من أشكال الإثنية المحورية Ethnocentrisme كإجابة عن تساؤل "حنا هما المجهّْدين والواعرين في العالم".

أشير هنا إلى أن الأخبار الزائفة بالمغرب، حسب الحالات التي تم رصدها من طرف المديرية العامة للأمن الوطني، هي ظاهرة حضرية، إذ تنتشر بالأساس في المدن.

كما تجب الإشارة في هذا الصدد إلى ثنائية تمكِّن من فهم ظاهرة الأخبار الزائفة، وهي ثنائية الأمن الموضوعي (Sécurité objective) الذي يعتمد على معطيات وإحصائيات حقيقية وواقعية ورسمية، والأمن الذاتي (Sécurité subjective) الذي يرتكز على التمثلات والإدراكات الفردية والشخصية.

هل تتميز الأخبار الزائفة المتداولة في المغرب بخصوصية معينة؟.

كما أسلفت، تتغذى الأخبار الكاذبة من الفرق والتباين والتضارب بين هاذين الصنفين من الأمن: الأمن الموضوعي والأمن الذاتي، وانطلاقا من هذه الثنائية يمكن الحديث عن"ريبرتوار نوعي" للفايك نيوز المغربي:

- تداول خبر عن إصابة السفير المغربي بالصين بفيروس كورونا، ونشر مقاطع فيديو تتضمن معطيات مغلوطة وكاذبة حول تسجيل إصابات مفترضة في مناطق مختلفة من المغرب، و"فبركة" بيانات رسمية تخص مؤسسات الدولة.

- نشر حالات لمرضى على أساس أنهم مصابون بفيروس كورونا، أو الادعاء بأن هناك مصابا في الجوار: مكناس مراكش شيشاوة – فاس ...

- ادّعاء المرض أو أن الشخص كان شاهدا أو عنده معلومات مؤكدة على إصابة أحدهم...

- إشاعة وفاة الطفل الصغير ابن القاضية...

- تسريب رخصة استثنائية للتنقل مفبركة قبل إصدار السلطات للرخصة المعتمدة رسميا.

- وصفات سحرية من الأعشاب كدواء فعلي وفعال لفيروس كورونا.

- ترويج إشاعات مفادها أن طائرات ستحلق في سماء الدار البيضاء لتعقيمها.

- تداول لائحة اسمية ببعض منصات التواصل الاجتماعي، تتضمن أسماء أشخاص يدعون إصابتهم بداء كورونا.

- إشاعة أن "الحجر الصحي بالمغرب سيمتد لشهر يوليوز 2020″، منسوبة لإحدى القنوات التلفزيونية العمومية...

هذه "أخبار" تنبني على الذاتية والخدعة والافتراء والإشاعة والتشهير، إذ إن الخبر الكاذب تحويل حقيقة معروفة إلى معلومة خاطئة تنشرها منصات أو أشخاص مختصون في الأخبار الكاذبة؛ وهي كذلك أخبار مفبركة لأن أصحابها يعمدون إلى توضيبها لغويا وثقافيا وهوياتيا (الطبيب التونسي والمستشارة الألمانية)، أو إعطائها صبغة معقدة توحي بصدقها من خلال جداول ورسوم وإحصائيات، وتنتشر بسرعة وعلى نطاق واسع بوتيرة وبائية. ويمكن كذلك لإنجاح انتشارها تغليفها في صيغة كوميدية وبارودية.

ما هي الغاية التي يصبو ناشرو الأخبار الزائفة إلى تحقيقها؟

هذه الأخبار هي محاولة للاستغباء (Désinformation)، من خلال خلق "البوز"، والحصول على أكبر عدد من المشاهدات. كما يتطلب التحقُّق من صحتها وقتا نسبيا طويلا؛ ومن هنا تأتي قوتها ويصبح مفعولها فيروسيا ووبائيا، مع قوة بعض "الإلكوريتمات" التي تساعد على انتشارها السريع والصاروخي.

-هل هناك جهات تستفيد من ترويج الأخبار الزائفة؟

تمكّن الأخبار الزائفة أصحابها من تحقيق بعض الحاجيات النفسية، مثل الانتقام والكراهية، ومواجهة الخوف، إذ أضحى العالم الرقمي الوعاء الأمثل لتفريخ المكبوتات النفسية والتيه الوجودي وتمرير بعض الإيديولوجيات كالتكفير والتخوين... أو المس بمنافس سياسي أو اقتصادي أو ثقافي...

لهذا فالهدف من الأخبار الزائفة يحيل على طبيعة المستفيدين، ويمكن تصنيفهم إلى فئتين متباينتين: أغلبية ذات أهداف مزدوجة، منها التأثير السلبي وخلق بيئة مجتمعية محبطة، مع الحصول على عائدات ربحية، وأقلية من مختلقي الأخبار الزائفة يمكن أن توصف بـ"المرضى المجتمعيين" (Sociopathes)، هدفهم ودوافعهم ليست ربحية، بل غرضهم بث الفوضى في المجتمع من خلال منطق انهزامي وتشاؤمي.

سؤال من المستفيد من الأخبار الزائفة سؤال مهم وموضوعي؛ ففي الحالة المغربية يمكن أن نتساءل من المستفيد، مثلا، من نشر خبر كاذب عن حالة طوارئ شاملة مساء يوم الجمعة 13 مارس الماضي، ما أدى إلى حالة فوضى وهلع وازدحام وعراك في محلات بيع المواد الغذائية والمتاجر الكبرى؟.

يظل المعطى الرئيسي لفهم التجاوب السريع مع هذا الخبر الزائف هو إدراك جدوى الإحصائيات التي تعطي أن 73 في المائة من المغاربة يستعملون الشبكات الاجتماعية، منهم 65 في المائة على "واتساب"، و53 في المائة على "فايسبوك". فمن خلال هذه الإحصائيات يمكن إقرار أن المحدد الأساسي في استفادة مروجي الأخبار الزائفة (ماديا وتأثيرا) هو هيمنة السلوك والممارسة الطقوسية لتشارك المعلومة؛ كما أننا في مجتمع ذي ثقافة شفوية في زمن التشارك و"ثقافة بارطجي".

وجبت كذلك الإشارة إلى سطوة واتّقاد جذوة بل واشتعال كل ما هو نفسي وانفعالي تجاه كل ما هو سلبي وزائف، بل والتعاطي العاطفي وغير العقلاني معه في أزمنة الكوارث والمحن والحروب.

لهذا فتأويل الإحصائيات التي تقدمها المديرية العامة للأمن الوطني في ما يخص وقائع خرق حالة الطوارئ، والذين بلغ عددهم 8612 شخصا، حسب آخر المعطيات الرقمية التي نشرتها المديرية، منهم نسبة لا يستهان بها كانت تحت تأثير خبر أو تدوينة يوتوبرز أو مواطن رقمي، إذ بلغ عدد الموقوفين للاشتباه في تورطهم في نشر وتداول محتويات رقمية تتضمن أخبارا زائفة أكثر من 83 شخصا.

في المقابل، يجب كذلك التأكيد أن هناك مواطنين رقميين و"يوتوبرز" إيجابيين وواعين بالخطر المحدق بالبلاد، وأن تأثيرهم يجب أن ينصب في رفع الهمم وتثبيت الانضباط المواطناتي وليس خلق بيئة احتباس مواطناتي.

لهذا ففي الحالة الأولى، أي حالة "اليوتوبرز" والأشخاص الذي ينشرون الأخطاء الزائفة، لا يمكن أن نتحدث عن مؤثرين وهم في غالبيتهم سلبيون ولا يشتغلون من داخل نسق المبادرة الإيجابية والتحدي البناء.

ما هي تداعيات وأضرار الأخبار الزائفة على الأفراد والمجتمع؟.

الجواب عن هذا السؤال يقتضي طرح سؤالين: في الحالة المغربية هل يمكن أن تنطبق جميع هذه التوصيفات على ما يروج من أخبار زائفة؟ هل هناك صناعة للخبر الزائف أم مجرد انسياق وتقليد دون الاكتراث بالعواقب؟.

هناك ثلاثة أنواع من الأخبار الزائفة، ترتكز أولها، بالأساس على التضخيم والمبالغة، مثل أن حالات كورونا في المغرب هي أكثر مما هو مصرح به، ما يؤدي إلى حالة من الهلع المجتمعي، وثانيها على التقليل وعدم الاكتراث بالخطر المحدق، بل واقتراح حلول وادعاءات باكتشاف الدواء، بل ذهب بعضهم إلى القول إنه رأى في حلمه أشياء إن طبقت ستنجو الإنسانية من الوباء وأن الوباء من فعل فاعل...وثالثها على أخبار هي مزيج من ما هو صحيح وما هو كاذب ومزيف ويعمد أصحابه إلى توظيف البيانات والجداول والخرائط والإحصائيات للإقناع والإيهام بالحقيقة المطلقة (مثال حكاية الباحث المغاربي ورئيسة دولة أوربية تستعطفه ليسمح لبلادها باستعمال الدواء لكن الترجمة للعربية لا علاقة لها بحديثها وبخطابها). لقد كان حريا بالمطلعين على هذا الفيديو استعمال الترجمة ليكتشفوا التحايل.

تصديق هذا النوع الثالث من الأخبار هو الأكثر وقعا، لأنه يبنى على تجارب حقيقية ومتحققة وينطلق كذلك من مسلمات حقيقية، ففي المثل الذي أوردته عدد كبير من الباحثين المغاربيين يتواجدون في أعتى وأرفع المختبرات العالمية.

في ما يتعلق بالأضرار التي تنتجها هذه الأخبار يمكن سرد عدد منها لا للحصر. أولا يتضافر الخبر الزائف مع التفاهة والرداءة وعدم الاختصاص، كأن ينشر عشاب أنه اكتشف دواء كورونا أو سيدة توصي بالعرعار والشيح...فيصير "اليوتوبرز" كزاوية لها مريدوها. فإذا كانت الزوايا لها طرقها لتهذيب الأخلاق والممارسات الاجتماعية الفضلى، فهذه زوايا جديدة لإفساد الانخراط المجتمعي وتعميق الاحتباس المواطناتي؛ وهي في هذا زوايا واهية ومخادعة وتركب على المآسي و"شيوخها اليوتوبرز" يمكن اعتبارهم تجار حرب يتاجرون في سذاجة وعفوية بعض المواطنين في زمن الحرب على جائحة ستقلب جميع الموازين الدولية وعواقبها تبدو غير متوقعة.

ثانيا تساهم الأخبار الزائفة في تجدّر بيئة من الهلع المجتمعي والتخمة المرضية في المعلومة: info-obésité. ولا علاقة لهذه التخمة بهامش حرية التعبير لأن هناك بونا شاسعا بين حرية التعبير والخبر الزائف، مثل الفرق بين السماء والأرض، لأن في راهن جائحة كورونا يمس الخبر الزائف بالعيش المشترك وكذلك بالمصير المشترك للوطن، مع أن الدستور المغربي خصص الفصل 27 للحصول على المعلومة التي تتوفر عليها الإدارة العمومية بموازاة مكافحة الأنماط المستجدة من الجريمة الإلكترونية وتقوية آليات مكافحتها من دون المساس بحرية التواصل الرقمي، باعتباره صورة من صور ممارسة حرية التعبير المكفولة دستورياً.

ثالثا يهوي الخبر الزائف بالنقاش العمومي إلى مستويات بئيسة تجعل المجتمع المغربي حبيس مسكنات وجهل وتيه لا يمكّنه من الشعور بالخطر الوشيك، لأن الخبر الزائف ليس خطأ بل خبرا مفبركا بنيّة مبيّتة، لأن الخطأ يمكن أن نعتذر عنه وهذا ما يجري به العمل في التقاليد الصحافية، لكن الخبر الكاذب له تداعيات على أرض الواقع، إذ نمر من الرقمي إلى الواقعي تحت تأثير أخبار وتحريض واهٍ، كما شاهدنا في خروج الناس في مسيرات ليلية بطنجة وفاس، ما ينتج عنه خلق بيئة من عدم الاستقرار وتفشي ثقافة العنف والكراهية وظهور تلوث مجتمعي وسياسي واقتصادي يصبح معه التطهير والتعقيم ضد هذه الأخبار حاجة ملحة.

ما تقييمكم لتواصل السلطات العمومية مع المواطنين في ظرف "كورونا؟.

هناك زخم من النشرات والبلاغات على طول اليوم من طرف وزارة الصحة بالأرقام والتحاليل والإحصائيات والتدابير والمبادرات. المعلومة متوفرة طيلة اليوم ويتم تحيينها وتبسيطها للمواطنين، ولا يمكننا إلا أن نصفه بتواصل فعال وذي جدوى، لأن البلاغات أثرت في سلوك المواطنين وحيّدت بل قوضت مفعول الأخبار الزائفة وأضعفت انتشارها.

لكن ما كان لافتا ونوعيا في تواصل السلطات العمومية هو تميز القناة اللغوية للتواصل وتوظيفها البرغماتي؛ فإذا تمعنا في الآليات الموظفة، والتي أضحت آليات ناجعة للتواصل، فهي تعتمد على التعبيرات الترابية اللغوية القريبة من وجدان المغاربة: تعبيرات جهوية أمازيغية بتريفيت وبتشلحيت وبتمازيغيت، وكذلك تعابير عربية بالجبلية والحسانية والعروبية والمدينية.

لقد استطاعت هذه التعبيرات الترابية، بالإضافة إلى وظيفتها التداولية اليومية، أن تضيف إلى وظائفها كذلك وظيفة التأطير المؤسساتي، لكن بمقومات نوعية تمزج بين سلطة المؤسسة (القايد – المقدم – الشيخ – العامل ...)، وحميمية عاطفية أبوية، ما قطع الطريق على تفشي الأخبار الزائفة.

وكمثال على ذلك بعض الجمل والتعابير، مثل "أشريف ألي تيكركر – العالم تيموت وانت كتكركر – ادخل لدارك - غبر – كتكركر على مزينتك"... و"لي عدو شي دار يكعد فيها - ردوا بالكم لولادكم – لاتبقاوشي خيطي زيطي خيطي زيطي – تدجيب لنا المرض لولاد بلعيد".. و"مادجمعوشي على أل وألتك تتلأطوها ف راسكم وعملو بنفسكم فحال ليمتشابكين مع الناس د دوار كاملين ومع دهدروا مع حد... كل واحد ياكل ف الطبسيل ديالو والناس الشارفين عاملو ليهم في المغرفة الفؤانية وعطيولم الماكلة بوحدم".

هذه التعابير صارت هي قناة تواصل السلطات مع المواطنين، عن طريق ممثلي السلطة الذين برزت منهم نماذج حظيت بمتابعة عالية، مثل القايدة حورية وقائد ميدلت وقائد مقاطعة الأطلس بفاس وعدد لا يحصى من رجال السلطة الآخرين، وكذلك الشيوخ و"البراحة" والمقدمين. وهنا يحضرني مثال مقدم جماعة ولاد بلعيد ومثال المقدم مولاي عبد السلام الشاهد وآخرين...

إذن مع جائحة كورونا اكتشف المغاربة، بل تمت إعادة اكتشاف آليات التواصل العمومي في صيغتها المغربية التي تنضح بمواطنة ترابية Citoyenneté territorialisée، يمكن أن نصفها ونجملها في عبارة "التمغربيت"، قائمة على غنى نسق منظومة التعدد والتنوع التي رسخها دستور 2011.

لكن إبان حملة التوعية والتحسيس التي بادرت إليها السلطات العمومية انبرت بعض الأصوات والآراء إلى نعت آليات وأدوات وإستراتيجيات هذا التواصل على أساس أنها متضخمة وترمي إلى "البوز" وخلق أبطال جدد، إلا أن التواصل الواقعي، من وجهة نظري الخاصة، لا يمكن أن يكون له وقع وتأثير في التوعية والتحسيس ومحاربة الأخبار الزائفة وأن يصل أهدافه إلا بتأريخه ونشره ومشاركته من خلال آلية الاتصال، لأننا انتقلنا من مجتمع التواصل إلى مجتمع الاتصال (Société de communication … Société de connexion)، وتباعا تم التحول من التواصل العمومي إلى الاتصال العموميCommunication publique … Connexion publique)، لأن المتلقي يتواجد ويسكن عوالم رقمية "فايسبوك"، "واتساب"، "يوتيوب"... وانتقل تباعا من مواطنة واقعية إلى مواطنة افتراضية، تترصدها عدة مخاطر منها لا للحصر سرطان الأخبار الزائفة.

إجمالا، يمكن القول إن السلطات العمومية ليست أمام مواطنين واقعيين بل أمام مواطنين رقميين. والحل الناجع لإيصال التحسيس والتوعية بمخاطر الجائحة يمر أساسا بالقناة والعالم الرقمي، لاسيما أنها قناة مساعدة وفعالة في ظل إحصائيات اتصالية المغاربة التي أوردتها الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، وتجدّر ثقافة "بارطجي". لهذا فإن تواصل السلطات العمومية ناجح، بل وفعال في الحرب على الأخبار الزائفة.

-أمام الانتشار الواسع لـ"الفايك نيوز"، كيف يمكن التصدّي للأخبار الزائفة؟

في ما يتعلق بالبيئة الرقمية فقد دأبت المنصات الرقمية والمواقع (تويتر – فايسبوك - يوتيوب...) منذ 2017 على إيجاد حلول لهذه المعضلة، وحتى هي الأخرى دخلت في حرب ضد الأخبار الزائفة (war rooms)، وخلقت تطبيقات التحذير وتنقيط المستعملين من خلال انخراطهم في كشف المعلومات الزائفة وكذلك توصي بـ"سينيالي" في حالة التأكد من الضرر والاحتيال الذي يحدثه مستعملو "الويب"، لكن يظل الخطر قائما مع تطبيقات التراسل مثل "واتساب" و"مسنجر"، ما ينتج عنه إيبيديميا معلومات "infodémie".

أما من باب الردع القانوني في الحالة المغربية، فيمكن أن نحيل على مقتضيات الفصل1- 447 من القانون الجنائي، الذي يعاقب بـ6 أشهر إلى 3 سنوات وغرامة من 2000 إلى 20000 درهم ناشري الأخبار الزائفة، بالإضافة إلى الفصل 72 من قانون الصحافة الذي يهم المشتغلين بالصحافة، والذي يعاقب بغرامة من 20000 إلى 200000 ألف درهم، وكذلك القانون رقم 22.20 بشأن استعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة. كما شكلت المديرية العامة للأمن الوطني خلية مركزية للرصد واليقظة المعلوماتية لمكافحة الأخبار الزائفة حول وباء "كورونا".

ماذا عن الأخبار الزائفة التي تبثها بعض وسائل الإعلام؟.

في ما يتعلق بالجسم الصحافي يمكن للصحافة الجادة تخصيص حصة لاستخراج السموم (Desintox) أو (Fact cheking) باستخدام التقنيين لتطبيقات للتأكد والتحقق من المعلومة وتكذيب الأخبار الزائفة، فهي سرطان ينخر المجتمع وجب التعامل معه بصرامة وجدّة محينة، وهذا ما دأبت عليه مديرية الأمن الوطني في التفاعل مع هذا النوع من الأخبار.

كما تجدر الإشارة إلى مبادرة "لاماب" من خلال خانة الصواب والخطأ، حيت تعمد إلى نشر لائحة من الأخبار المتداولة بعد البحث والتأكد من مصادر موثوقة والتحقق منها ميدانيا ووسمها بـ"خطأ" أو "صحيح".

في المقابل هناك كذلك منصات ولوبيات وأفراد ينشطون في نشر الأخبار الزائفة، ما يسرع ويقوي من انتشارها، ما نتج عنه إحباط لدى غالبية الصحافيين والمواطنين، لذا يتوجب اختيار وتحديد مصادر بعينها موثوق بها للتزود بالمعلومة. هناك كذلك آليات تمكن من التأكد من الخبر الزائف كالبرامج التي تمكن من التحقق من صحة الخبر أو كذبه Decodex.

ما الذي يدفع المتلقي إلى متابعة الأخبار الزائفة؟.

هناك من يريد أن يطلع عليه لحاجة شخصية وفضولية والتأكد من أنه فعلا خاطئ أو لأنه يستجيب لبعض مطالبه النفسية فيعمد إلى نشره في محيطه المغلق فيصبح الخبر الزائف هو الخبر الشافي كتعويض نفسي، وهذه كذلك واحدة من تجليات خطورة الخبر الزائف.

الخبر الزائف يقاوم الزمن، حيث يعمد بعض الأشخاص إلى إعادة إحيائه ونشره. فالخبر الزائف يحتفظ به لإعادة تكييفه وتصريفه في قضايا أو أحداث مغايرة، فهو قابل للتدوير Recyclable.

وتباعا في حالة جائحة كورونا تؤثر الأخبار الكاذبة على المواطنات والمواطنين المغاربة من خلال ترسيخ حالة من الخوف والتوجس أكثر من حقيقة التهديد الوبائي في حد ذاته، بل إنها تعترض إنجاح التدابير الاحترازية التي تتخذها السلطات العمومية للتصدي لانتشار هذا الوباء، وقد تدفع المواطنين، بشكل تضليلي، لعدم التجاوب مع التوصيات والنصائح الوقائية التي تقدمها السلطات الصحية المختصة بالارتهان إلى منطق ونسق ومصفوفة فكر المؤامرة.

كما تجدر الإشارة إلى جدة وتحدي مبادرات المجتمع المدني لخلق ثقافة مضادة لثقافة الأخبار الزائفة وبيئة الإحباط من خلال "هاشتاغات"، من قبيل "فضاء افتراضي نقي" و"صحافيون ضد الإشاعة"... لأن هناك ضرورة للاستفادة من مكاسب جائحة كورونا، لاسيما في ما يتعلق بعلاقة المواطنين بالدولة، التي أصبحت تتسم بمنسوب لا بأس به من الثقة وإعادة بناء أسس مجتمع الثقة، وهذا ما انتبهت إليه عدة دراسات وأبحاث وتقارير قامت بها مراكز ومعاهد إستراتيجية مغربية منذ 2010.

من خلال ما سبق تبدو وتتجلى أهمية وجدوى بل راهنية التربية على الاستقلالية والتوعية والقراءة النقدية للأخبار من خلال بيداغوجية وآلية Fact Cheking، لذا يُتوخى تحسيس وتربية الشباب والأطفال وجميع شرائح المجتمع على خطر الأخبار الزائفة، لأن هذه الشرائح تشكل أداة ووسيلة بل ناقلا Vecteur لانتشارها، لأن المواقع الاجتماعية تعد الجسر الأمثل لتلقي المعلومة، باعتبار هذه الأخيرة هي التي تأتي إليك ولست أنت الذي تبحث عنها، ما يجعلك متلقيا سلبيا وحامل ثقافة عدم الثقة في المؤسسات.

لهذا يمكن خلق وإبداع مواد تعليمية ومسارات في المدرسة المغربية لتكوين الناشئة على كيفية التعامل مع الأخبار الزائفة من خلال بيداغوجيا تمكنهم من اكتساب المهارات اللازمة للتعاطي مع الأخبار الزائفة.

من المحمود إذن في إطار تصويب مكونات المواطنة المغربية أن تنخرط وتنكب المنظومة التعليمية بجميع أسلاكها على اعتماد محترفات ومواد "التربية على الميديا"، فالمحترفات ستمكن من تحسيس التلاميذ بخطر الخبر الزائف وتحفيزهم على خلق محتويات مواطنة والتشجيع على موضوعية التلقي وإذكاء الفكر النقدي.

لكن لا يمكن للمنظومة التعليمية أن تنجح في وظيفتها وحربها على الأخبار الزائفة بمفردها إلا إذا ما تمت توعية وتكوين الكبار وأولياء الأمور والمشتغلين في محاضن التربية والتنشئة بمخاطر الأخبار الكاذبة.

يمكن كذلك بموازاة المنظومة التربوية خلق مرصد وطني للتصدي للأخبار الزائفة على شاكلة بعض التجارب الدولية، مثل تجربة كندا في محاربة ثقافة وخطاب الكراهية.

شارك هذا المقال:
  • لمناقشة آخر الأخبار مع أصدقائك و تتبع جرائدك المفضلة، سجل الآن!


    إحتراما لخصوصيتك لا نضع أي معلومات على فايسبوك.