الوكيلي:‬ استعداد المغرب لدحر كورونا غير كاف ويستوجب التطوير

الوكيلي:‬ استعداد المغرب لدحر كورونا غير كاف ويستوجب التطوير

في خضمّ الوضعية الوبائية المتذبذبة على صعيد المملكة خلال الأشهر الأخيرة، واكبت الدولة الطارئ الصحي العالمي باتخاذ مجموعة من التدابير العابرة للمجالات، سعياً إلى محاصرة تداعيات تفشي "كورونا"، من خلال تعزيز البنى التحتية، وتأهيل المنظومة الصحية، وإنعاش المقاولات الاقتصادية، وتدعيم الفئات الاجتماعية المتضررة.

إجراءات متسارعة بشكل دوري كانت – ومازالت- تثير النقاش بشأن مدى نجاعتها، لاسيما من الناحية الصحية، بالنظر إلى الثغرات القائمة في مخطط اليقظة الصحية، تحديدا ما يتعلق بنظام الاستجابة لهذا الظرف الوبائي، بعدما ارتفع "عداد كورونا"، وبدأ الوضع الصحي يخرج عن السيطرة نسبياً، بسبب تزايد معدل انتشار الفيروس.

وقبل تقييم المرحلة التي نعيشها راهناً، في انتظار ما ستُسفر عنه من معطيات ميدانية وبحثية، لا بد من الرجوع خطوة إلى الوراء، ثم النظر إلى كيفية تعامل الدولة مع الأزمة قبل دخولها للمجال الترابي؛ مروراً بدراسة نظام الاستعداد للكوارث والأوبئة، وصولاً إلى تسجيل الإصابات الأولى، وانتهاءً بإعلان حالة الطوارئ الصحية.

تبعا لذلك، يحاول يونس الوكيلي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط، من خلال الحوار الذي أجرته مع هسبريس، مساءلة النظام الصحي المغربي في علاقته بالجائحة إلى حدود سريان حالة الطوارئ الصحية، خالصاً إلى أن استعداد المغرب لم يكن كافياً؛ ومع ذلك يؤكد أنه ينبغي لاحقا فتح سؤال نظام الاستعداد، ليس من أجل اللوم، بل من أجل تحديد الثغرات وتطوير النظام لمواجهة الأخطار المحتملة مستقبلا بشكل أكثر كفاءة.

إليكم الحوار:

بداية، كيف تنظر إلى استعداد المغرب للطوارئ الصحية؟

لا بد من العودة قليلا إلى الوراء لنفهم الأمور بشكل أوضح. المغرب دولة طرف في اللوائح الصحية الدولية المراجَعة (2005) منذ دخولها حيز التنفيذ في 2007 وإصدارها في الجريدة الرسمية سنة 2009، وهذا يعني أنه يتبنى إستراتيجية اليقظة والاستعداد التي تشرف عليها منظمة الصحة العالمية من أجل تحقيق الأمن الصحي العالمي.

ومنذ ذلك الحين، تبنى المغرب وأدمج هذه الإستراتيجية في مخططين صحيين رُباعيين (2008-2012) (2012-2016)، فضلا عن استعداده لمواجهة إيبولا في 2014، وتقييمه قدراته الإيجابية والسلبية من طرف المنظمة العالمية في تقرير صدر سنة 2016، وانتهاءً بتأسيسه للمركز الوطني لعمليات الطوارئ في الصحة العامة في شتنبر 2019، في إطار تفعيل مخطط "صحة 2025" وتوجيهات منظمة الصحة التي أصدرت توصية في هذا الشأن في نونبر 2015.

لذلك، فالمغرب منخرط سياسيا وتشريعيا ومؤسساتيا، وهذا ما تُرجم بشكل جاد في مسلسل "تقوية القدرات" على شتى الصعد: البنيات وتجهيز نقاط العبور البرية والموانئ والمطارات، وشبكة المختبرات الوطنية، والمعدات الطبية، ومخزون الأدوية واللقاحات والألبسة الواقية، وآلية التنقل والتشخيص والتكفل، ووضع نظام الإبلاغ عن المخاطر، وإستراتيجيات وآليات التواصل مع الإعلام والسكان، والحكامة والتنسيق...إلخ.

ما تقصد بإستراتيجية اليقظة والاستعداد؟

نحن نعيش في عالم تتعاظم فيه الأخطار المستقبلية، مثل: الأوبئة والأمراض الناشئة والجائحات أو الكوارث الطبيعية؛ من قبيل الزلازل والطوافين والحرائق، أو الكوارث من صناعة بشرية، مثل التسرب النفطي أو مواد كيميائية أو نووية، أو مثل ما حدث في بيروت قبل أيام. وظروف المعيش في العالم المعاصر تبعث على ذلك في ظل اختلال العلاقة بين الإنسان والبيئة؛ والتغييرات في الأنظمة الإيكولوجية، وازدياد الكثافة السكانية في الأحياء الحضرية، والحركة السريعة للأفراد حول العالم، والصناعات الغذائية...الخ.

لذلك، لا بد أن تستعد الحكومات وفق معيارية عقلانية وآليات أمنية وإدارية بغض النظر عن نوع الخطر؛ ولذلك فهذه الإستراتيجية تختلف عن إستراتيجية تقييم المخاطر التي تقوم على عمليات حسابية متنوعة. بعبارة أوضح الاستعداد أشمل وأوسع من تقييم المخاطر، وتدخل فيه تقنيات أخرى مثل نظام الإنذار والمحاكاة وتخيّل السيناريوهات...إلخ. الأهم أن الاستعداد لا ينتظر حصول الحدث ثم التدخل، بل هو استعداد متواصل، لأن الكوارث عصية على التوقع سواء في شكلها أو نتائجها.

بهذا الاعتبار، يظهر أن المغرب كان مستعدا من قبل؟

تماما، فالرأي الذي ساد في بداية الطوارئ، مارس وأبريل، بشأن أن الدولة فعّالة في إدارتها للأزمة نابعٌ بالأساس من هذا الاستعداد المستمر الذي بدأه المغرب منذ أكثر من عقد بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية؛ وهذا الاستعداد هو الذي يُحدث الفرق. هنا أتذكر على سبيل المثال عبارة فريديريك كيك، الباحث الفرنسي في أنثروبولوجيا الأوبئة، الذي قال إن الفرق بين دول آسيا وأوروبا في إدارة كوفيد 19 أن الأولى كانت مستعدة كدولة ومجتمع، لأنها معتادة على الأوبئة، والثانية لم تكن مستعدة لأنها لم تكن معتادة على الأوبئة.

طبعا، لم يكن استعداد المغرب كافيا، لأن الاستعداد "مسار وليس غاية"، كما يقول خبراء الصحة العامة، والتعرض للأزمات الصحية العمومية هو الذي يُبيّن الثغرات في نظام الاستعداد القائم مهما كان مستواه، والجهود التي يجب أن تُبذل في المستقبل. مع ذلك، في المغرب، لا بد أن نفتح لاحقا سؤال نظام الاستعداد، ليس من أجل اللوم، بل من أجل تحديد الثغرات وتطوير نظام الاستعداد لمواجهة الأخطار المحتملة مستقبلا بشكل أكثر كفاءة.

كيف تجلى هذا الاستعداد في تعامل المغرب مع كوفيد- 19؟

لم يبدأ المغرب مسلسل الطوارئ منذ 19 مارس؛ هذا التاريخ فقط هو لإعلان حالة الطوارئ الصحية، بل بدأ بالضبط منذ 24 يناير، وهو تاريخ أول بلاغ من وزارة الصحة تفاعل مع مخرجات لجنة الطوارئ في اللوائح الصحية الدولية في منظمة الصحة العالمية المجتمعة في 22-23 يناير، التي قررت عدم إعلان أن الحدث "طارئٌ صحي عمومي يستدعي قلقا دوليا"، في الوقت الراهن، لكن دعت الدول للاستعداد، والمغرب انخرط في الاستعداد.

بعد ذلك، ترأس جلالة الملك محمد السادس في 27 يناير جلسة عمل مخصصة لوضعية المواطنين المغاربة الموجودين بإقليم ووهان الصيني، وأمر بأن "يتم اتخاذ التدابير اللازمة على مستوى وسائل النقل الجوي، والمطارات الملائمة والبنيات التحتية الصحية الخاصة للاستقبال"؛ وفي اليوم نفسه، أعلنت وزارة الصحة في بلاغ لها أنها شرعت في "المراقبة الصحية للموانئ والمطارات الدولية للكشف المبكر عن أي حالة وافدة".

أيضا هذا اليوم، أي 27 يناير، عرف إصدار وزارة الصحية لمخطط اليقظة والاستعداد لكوفيد 19، وفيه تفصيل لكل الإجراءات التي اتخذها المغرب للاستجابة، مثل تقوية أنشطة اليقظة والمراقبة بهدف الرصد المسبق للحالات، وإعداد وضع التكفل والتحكم في العدوى، والحكامة والتنسيق، والمعلومات والتواصل. ثم وصلنا إلى 30 يناير 2020، إذ اتخذت منظمة الصحة قرار إعلان الطوارئ الصحية، ودعت جميع الدول بما فيها المغرب إلى الاستعداد للاحتواء الذي يشمل المراقبة الفعالة، والرصد المبكر ...إلخ.

وشارك المغرب بتاريخ 22 فبراير 2020 في الاجتماع الوزاري الطارئ للاتحاد الإفريقي بالعاصمة الإثيوبيّة أديس أبابا بشأن وباء فيروس كورونا المستجد. وصرح وزير الصحة في هذا الاجتماع بأن المغرب "رفع مستوى اليقظة للمركز الوطني لعمليات الطوارئ في مجال الصحة العامة بوزارة الصحة، من المستوى الأخضر إلى المستوى البرتقالي". كما "فعّل القسم المركزي لتنسيق تدابير قطاع الصحة مع تدابير وزارة الداخلية والدرك الملكي والصحة العسكرية وقطاعات أخرى معنية". وفي هذه الفترة، بين 14 فبراير و9 مارس، بدأت مديرية الأوبئة إصدار نشرات إخبارية مفصلة للوضع الوبائي، تناولت الوضع الوبائي العالمي، وتقييم الخطر بالنسبة للمغرب، وعرض كل المعطيات المتعلقة بمستويات التدخل التي حددت في المخطط الوطني.

يلاحظ إذن أن المغرب عبّأ كل المؤسسات ذات الصلة لبدء مرحلة الاستجابة، فالفاعلون والمؤسسات كما هو مفصل في مخطط اليقظة والاستعداد الذي أشرت إلى أنه صدر يوم 27 يناير، معتادون على التخطيط لمواجهة الأوبئة مثلما استعدوا تقريبا في مخطط الاستعداد لإيبولا في 2014، لكن الجديد في كوفيد 19 هو انضمام المركز الوطني لعمليات الطوارئ في الصحة العامة مع مراكزه الجهوية وفرق التدخل السريع التابعة له واللجنة العلمية والتقنية...إلخ.. فمهمة المركز الوطني هي تنفيذ الاستجابة وتوحيد جهود الوكالات المعنية؛ ومن هذا المنطلق فهو "يُدمج خدمات الصحة العمومية التقليدية في نموذج لإدارة الطوارئ" حسب تصور منظمة الصحة العالمية.

إذن، كل هذا قبل تسجيل إصابات بالفيروس، فماذا بعد بدء تسجيل حالات الإصابة؟

كل هذه الأحداث قبل تسجيل إصابات. في 2 مارس سُجلت أول إصابة لرجل قادم من إيطاليا. ثم توالت الإصابات.. وفي 4 مارس سجلت إصابة امرأة قادمة من إيطاليا، وفي 10 مارس أول وفاة.. وفي هذا اليوم بدأ أيضا تعليق الرحلات مع إيطاليا، ثم تلتها إسبانيا وفرنسا والجزائر في 13 مارس، ثم ألمانيا وهولندا وبلجيكا والبرتغال في 14 مارس؛ ثم أعلنت وزارة الصحة في 13 مارس عن 8 إصابات، وفي 14 مارس أضيفت تسع حالات أخرى، بالخصائص التالية: 4 من إسبانيا و3 من إيطاليا، ومهاجر واحد قادم من فرنسا.

واللافت للانتباه في هذا البلاغ إشارته إلى أن هؤلاء المصابين دخلوا المغرب ما بين 24 فبراير و12 مارس، وتوجهوا نحو: تطوان والرباط والدار البيضاء وفاس وخريبكة. وهذا يعني أن المرض بدأ ينتشر محليا. وفي هذا اليوم أيضاً تم تسجيل أول حالة إصابة محلية عن طريق اتصالها بحالة أخرى وافدة كانت قد تأكدت إصابتها سابقا، أي تسجيل حالة محلية وليست وافدة، ليصل العدد الإجمالي إلى 17 إصابة.

ألا يعني هذا أن المغرب تأخر في إعلان الطوارئ الصحية؟

دعني أستعمل في الجواب مفهوم 'الوقت الصحيح' (Real Time)، وهو توصيف استخدم إبان جائحة أنفلونزا الخنازير H1N1 في 2009 من طرف المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية آنذاك مارغريت شان، في التعامل مع الجائحة، قائلة: "لأول مرة في التاريخ تمكنّا من تتبع تطور الجائحة في الوقت الصحيح"، للتعبير عن التفاعل بين الوباء والتدخل الحكومي؛ ومن ثمة مدى تلاؤم سياسات الحكومات في التدبير الصحي مع الأحداث المستجدة. وهذا المفهوم جزء أساسي من عملية تقييم إدارة منظمة الصحة والدول للأوبئة، خاصة إعلان حالة الطوارئ الصحية.

كان المغرب منذ 24 يناير يتابع الحالة الوبائية العالمية، وهناك على الأقل أربع مؤشرات على ذلك: أولا: تفعيل مهام المركز الوطني لعمليات الطوارئ في الصحة العامة، ثانيا: العمل بنظام الإنذار المبكر في إطار المركز الوطني والانتقال من المستوى الأخضر إلى المستوى البرتقالي منذ فبراير كما أعلن ذلك في حينه.. وثالثا: وضع خطة عمل وطنية بشكل مبكر في 27 يناير، ورابعا: تقرير الحالة الوبائية الذي كان يدل على مراقبة حثيثة للوضع الوبائي عالميا، وهو تقرير توصي به منظمة الصحة العالمية.

كل هذه المؤشرات تدل أن إعلان حالة الطوارئ كان في الوقت الصحيح، إذ إننا في 18 مارس وصلنا إلى وفاتين، و49 إصابة، والإصابات الإضافية في هذا اليوم تتعلق بحالات إصابة لمخالطين بجهة فاس مكناس. وهكذا تحول المرض إلى الانتشار المحلي، أي المخالطين؛ وهو الاحتمال الذي كان ضعيفا في توقعات يناير وفبراير.

وبناءً على أن منظومة اليقظة عجزت عن منع دخول المرض رغم إجراء أزيد من 35012 فحص في نقاط الدخول بين 26 يناير و08 مارس، بل وعجزت عن منع احتمال انتشاره المحلي؛ لذلك كانت شروط إعلان الطوارئ الصحية أصبحت مكتملة في هذا التاريخ، ففي ظرف يوم واحد بين 18 مارس و19 مارس بعد إعلان الطوارئ تضاعف العدد من 49 حالة إلى 96 حالة، أي أصبحت الأعداد تتضاعف بشكل هندسي، وأصبحت الحالة الوبائية غير مسيطر عليها، وتقتضي إعلان الطوارئ الصحية وما يترتب عنها من تدابير.

شارك هذا المقال: