الزهراوي "رفيق أوعكي" .. فنان أمازيغي زاوج بين الموهبة والتواضع

الزهراوي "رفيق أوعكي" .. فنان أمازيغي زاوج بين الموهبة والتواضع

رحل الفنان عبد الله الزهراوي، أحد رواد الفن الأطلسي الأمازيغي المغربي، عن الدنيا، السبت الماضي، تاركاً وراءه إرثاً فنياً كبيراً زاوج فيه ما بين التأليف والغناء والشعر خلال عُقود بدأت من سبعينيات القرن الماضي.

وبعدما أسلم الزهراوي الروح إلى بارئها عن سن يناهز 70 عاماً، أصبحت رفيقته في درب الغناء الأمازيغي الفنانة الكبيرة حادّة أُوعكي وحيدةً بعدما ارتبطا ضمن مجموعة واحدة منذ سنة 1981 دون أن يفترقا.

وعمل الزهراوي طيلة عقود من الزمن مع المجموعة الغنائية لحادّة أوعكي كمؤلف أغان وملحن ومغن، بحيث لا تزال أغاني الثنائي، بالأمازيغية والدارجة، خالدة تُقاوم موجات النسيان بعدما لم ينالا حظهما من الاهتمام والتكريم.

وقد تنقّل الثنائي طيلة مسارهما الفني بين أرجاء الوطن وخارجه لملاقاة جماهيرهما من مُختلف الأجيال والشرائح التي تستمتع بالأغاني الأمازيغية التي تجمع بين الكلمات والإيقاعات الأطلسية الجميلة.

في حديثه عن الزهراوي، يقول عبد المالك حمزاوي، صاحب كتاب "Les Inoubliables"، الصادر سنة 2019، إنه من الناحية الفنية لا يمكن الحديث عن حادة أُوعكي دون استحضار الزهراوي والعكس كذلك.

وأضاف حمزاوي، في الكتاب الذي يتضمن سيراً ذاتية حول رواد الفن الأمازيغي في الأطلس، أن "الزهراوي هو من أعطى دفعةً جديدةً للديفا حادة أُوعكي كفنانة مستقلة بعد أن تحررت من تبعية مُعلمها الفنان الكبير بناصر أوخويا، وبفضل ذكائه أصبحت أوعكي ذات شهرة كبيرة".

ويؤكد حمزاوي، في شهادة حول المسار الفنان الراحل، أن "التاريخ يشهد وسيشهد أن هذين الفنانين البارزين (الزهراوي وأوعكي) تركا بصمتهما في سجل الأغنية الأمازيغية والعربية المغربية الشعبية منذ عام 1981".

وورد ضمن الكتاب أن "الراحل الزهراوي كان بسيطاً ومتواضعاً وخدوماً، وهي سمات ارتقت به إلى مرتبة فنان عظيم من الجيل الثاني، كما زميلته في الفن حادة أوعكي، كما كان يجمع بين هبات الشاعر والملحن والمغني والقائد للفرقة، ما يؤهله للقب العبقري أو الرجل متعدد المواهب".

راعي الغنم

وُلد الزهراوي سنة 1950، من والده محمد بن محمد وعائشة بنت محمد، في دوار آيت سيدي حساين، بدائرة مولاي ادريس زرهون، التي تُوجد اليوم ضمن النفوذ الترابي لقيادة سيدي عبد الله الخياط.

لم يلج الزهراوي الصغير المدرسة قط، حيث لم توجد أي واحدة في قريته آنذاك؛ لكن والده أدخله المدرسة القرآنية، وبعدما رأى أنه أصبح قادراً على رعاية قطيع العائلة عهد له بمهمة الرعي. ويحكي حمزاوي أن "الراعي الصغير لم يُضيع وقته، فقد كان يأتيه الإلهام من المناظر الطبيعية الخلابة ليتعلم "ألُّون" (الدف) والغناء".

وبالنسبة للكاتب حمزاوي، فإن فترة ما قبل سنة 1971 تُعتبر مرحلة النضج الفني في مسار الفنان الزهراوي حيث كان قد أتقن تماماً "مُداعبة الدف" واستكمل صقل مواهبه كشاعر، وقد شارك في تلك الفترة في تنشيط عدد من المناسبات والأعراس في دواره والمناطق المجاورة مثل مكناس والخميسات وسبع عيون، وكان خلال هذه المرحلة لا يتقن الدارجة كثيراً ولذلك اقتصر على الشعر والأغاني الأمازيغية.

وبدءًا من سنة 1971 إلى غاية 1981، كانت الرغبة تحذو الزهراوي لتحسين مكانته كفنان، ولم يتردد لحظةً واحدةً حين اقترح عليه حميد أوسيدي حسين، عازف الكمان وصديق طفولته ورفيقه في رعي الغنم، مرافقته إلى الدار البيضاء بحثاً عن عمل.

الوصول إلى الدار البيضاء

وصل الزهراوي متأبطاً دفّه إلى الدار البيضاء سنة 1971، وهي المدينة التي لم يزرها من قبل، وافتتن ببحرها وساحلها وأضوائها. وبناءً على توصية من صديقه، انضم بسُهولة إلى المجموعة الغنائية التي كان يترأسها بناصر أوخويا، أحد عمالقة الفن الأمازيغي الأطلسي.

وقد شكلت سنة 1971 انطلاقة رسمية للزهراوي في مجال الفني كفنان مُحترف، وشيئاً فشيئاً اكتشف زملاؤه مواهبه كمُلحن وشاعر متمرس، فهو الذي شارك في تلحين عدد من الأغاني الخالدة والمعروفة على الإيقاع الأطلسي؛ مثل: "العالْم يا العالْم علاش نطولو فليام" و"ركبت على عين زورا تشوش خاطري وشحال بكيت"، وهي الأغنية المشهورة في مدينة تاونات وجوارها تحت اسم العيطة الجبلية التي أداها الفنانان محمد العروسي ومولاي أحمد الكرفطي.

استمر الزهراوي إلى جانب حادة أُوعكي في تسجيل عدد من الأغاني عبر السنين، وشارك إلى جانبها في عدد من المهرجانات والتظاهرات الفنية إلى حدود السنوات القليلة الماضية؛ ففي سنة 2018 أحيت فرقة أوعكي بمدينة الدار البيضاء حفلاً فنياً بمناسبة السنة الأمازيغية 2968 نظمته جمعية تماينوت فرع الدار البيضاء وجمعية البولفار، كما شارك أيضاً في حفلات بدار بلارج بمراكش والمعهد الفرنسي بأكادير.

فنان بصيغة الجمع

يقول الباحث والكاتب حمزاوي، في تصريح لهسبريس، إن الراحل كان فناناً بصيغة الجمع، حيث راكم تجربة فنية غنية انطلقت من دواره نواحي مكناس إلى الدار البيضاء الذي جاء إليها وهو لا يتقن الدارجة، وبدأ يشتغل في الملاهي الليلية.

وأضاف حمزاوي، المهتم بالثقافة والفن الأمازيغيين، أن الزهراوي رفقة حادة أُوعكي وبناصر أوخويا تمكنوا من أداء جميع الأغاني الشعبية بالدارجة بما فيها جميع أنواع العيطة، من المرساوي والحصباوي والجبلي وصولاً إلى العلوة، وهو أمر صعب المنال لعدد من الفنانين.

وذكر الكاتب أن عدد الأغاني التي سجلها الراحل الزهراوي رفقة حادة أوعكي في أستوديوهات الإنتاج الفني والإذاعة الوطنية طيلة السنوات الطويلة غير معروفة. كما أن فرقة الراحل كانت أول فرقة غنت في المحيط الهادي، من خلال حفلات فنية في مدن كايين وغوادلوب ومايوت.

شارك هذا المقال: