الخياري: محاربة "البيدوفيليا" لا تتمّ بإقرار الإعدام والإخصاء الكيميائي

الخياري: محاربة "البيدوفيليا" لا تتمّ بإقرار الإعدام والإخصاء الكيميائي

تعج الشبكات الاجتماعية، خلال الأيام الأخيرة، بمواقف وآراء متضادة بشأن عقوبة مرتكبي الجرائم الجنسية، على خلفية النقاش المتولد عن جريمة اغتصاب وقتل "الطفل عدنان" بمدينة طنجة، ما جعل كثيرين ينادون بإقرار عقوبة الإعدام أو الإخصاء الكيميائي من أجل معاقبة هؤلاء، مقابل دعوة شريحة أخرى إلى التركيز على التربية المجتمعية.

شكيب الخياري، الناشط الحقوقي البارز، يدلي بدلوه أيضا في النقاش المثير للجدل، ويرد على دعوات معاقبة المجرمين الذين يعتدون جنسيا على الأطفال بالإعدام أو الإخصاء الكيميائي، مؤكدا أن الباعث على تلك الاعتداءات ذهني وليس عضويا، ما يستدعي، بحسبه، التفكير الجماعي الرصين بعيدا عن ردود الفعل.

وإليكم نص المقالة:

ارتفعت هذه الأيام مجموعة من الأصوات في المغرب منادية بوجوب إقرار عقوبة الإخصاء الكيميائي في حق مرتكبي الجرائم الجنسية، خاصة منهم البيدوفيل، وذلك في سياق الجريمة البشعة التي تعرض لها الطفل عدنان في مدينة طنجة البالغ من العمر إحدى عشرة سنة.

وهي الدعوة التي لم تكن وليدة هذا الحادث الأليم، إنما سبقت إثارتها منذ سنوات خلت، وفي كل مرة من تلك المرات ارتبطت بجريمة جنسية ارتكبت في حق طفل، وكأنها دعوة انفعالية مناسباتية تنتجها اللحظة، وسرعان ما تخفت كأن لم تكن.

وللإشارة، فإن الإخصاء الكيميائي يعد علاجا يتمثل في تناول أدوية لتقليل إنتاج هرمون التستوستيرون، ما يؤدي إلى التخفيف من حدة الرغبة الجنسية، ويمكن أن يعطى عن طريق الفم أو عن طريق الحقن، وينقضي مفعوله عند التوقف عن تناول هذه الأدوية.

غير أن ما يلفت الانتباه ويبعث على الاستغراب هذه المرة، هو أن زمرة من القانونيين والحقوقيين المفروض فيهم أن يدافعوا بقوة عن قيم ومبادئ حقوق الإنسان، هم من أخذوا على عاتقهم عبء الترويج الإعلامي المكثف لفكرة إقرار العقاب بواسطة الإخصاء الكيميائي، ناهيك عمن جاهر منهم بدعوته لتطبيق عقوبة الإعدام بلا شفقة ولا رحمة.

فإذا كان هذا الأمر يندرج في إطار حرية الرأي والتعبير المكفولة بموجب القانون الوطني والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تلزم المغرب، فإنه في المقابل يعد دعوة صريحة للكفر بالمنظومة الحقوقية ذاتها التي تكفل هذه الحرية، حيث ينطوي الأمر على دعوة إلى تجزيئ مبادئ حقوق الإنسان التي لا تقبل التجزيئ، والأنكى أن يصدر هذا الخطاب في عصر الدعوة إلى أنسنة العقاب.

وفي هذا الصدد، أود أن أناقش بعضا مما أورده الأستاذ محمد الخضراوي، في مقاله المنشور في هسبريس يوم الأحد 13 شتنبر 2020، بعنوان "تساؤلات بريئة حول قانون الإخصاء"، باعتباره الرأي الذي حظي أكثر من غيره باهتمام الإعلام، والذي سبق له أن عبر عنه منذ سنوات.

الإخصاء الكيميائي القسري انتهاك لحقوق الإنسان

احتج الأستاذ الخضراوي في مقالته بمجموعة من الدول التي اعتبرها قد تبنت الإخصاء الكيميائي كعقوبة كما يلي: "وجدت أن هناك فعلا قانونا ينظم عقوبة الإخصاء الكيميائي (...). قانون تبنته دول (...) ككندا وألمانيا والدانمارك والنرويج وبلجيكا والتشيك وبولندا، وحتى بعض الولايات الأمريكية كولاية كاليفورنيا وفلوريدا وجورجيا وتكساس ولويزيانا ومونتانا".

غير أن الإخصاء الكيميائي في الحقيقة لا يعد عقوبة في جميع البلدان التي ذكرها المقال، حيث إن إعماله يتم وفق ثلاث صيغ هي كالتالي:

1. يكون إجباريا بعد صدور الحكم، كما هو الحال في سبع ولايات في الولايات المتحدة الأمريكية، وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وبولونيا وروسيا ومقدونيا؛

2. يكون غير إلزامي، ولا يؤخذ الرضى في الاعتبار لأجل تخفيض أو تعديل العقوبة، من قبيل السويد وألمانيا والدانمارك؛

3. يكون غير إلزامي، ويؤخذ الرضى في الاعتبار لأجل تخفيض أو تعديل العقوبة أو منح إذن الخروج، كما في فرنسا وهولندا وبلجيكا وكندا وفنلندا وجمهورية التشيك.

وفي هذا الصدد، فقد سبق أن اعتبرت "اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة" (CPT)، والتي هي أحد أجهزة مجلس أوروبا، أن الإخصاء الكيميائي يمكن اللجوء إليه حصرا في حالة توفر الرضى.

إلى جانب ذلك، فإن الإخصاء الكيميائي القسري الذي يعهد بتنفيذه للأطباء يخالف أخلاقيات مهنة الطب؛ فعلى سبيل المثال، قد سبق للأطباء في إندونيسيا أن امتنعوا عن تنفيذ إخصاء كيميائي لمجرم اعتدى جنسيا على 9 أطفال. وبهذا الخصوص، صرح المتحدث باسم مكتب المدعي العام للإعلام بأن المكتب لم يتمكن من العثور على طبيب لديه الاستعداد لتنفيذ الإجراء.

وفي هذا الصدد، قال رئيس المجلس المهني في الرابطة الطبية الإندونيسية (IDI) للإعلام: "نؤمن بأنه يجب معاقبة مرتكبي الجرائم الجنسية بحق الأطفال بأقصى حد يسمح به القانون، لكننا لا نستطع أن نجري عمليات الإخصاء لأن ذلك ينتهك قسمنا ".

وقد سبق لمنظمة العفو الدولية أن وصفت العقاب عن طريق الإخصاء الكيميائي بكونه ينطوي على عقوبة قاسية ولا إنسانية ومهينة، ما يجعل هذه الممارسة تشكل خرقا سافرا لحقوق الإنسان، مؤكدة في الوقت ذاته أن الإخصاء الكيميائي يمكن أن يشكل علاجا حين يتم بالموافقة المستنيرة للشخص ويكون بناء على تقييم لمهنيي الصحة من حيث ملاءمته ودرجة فعاليته على هذا الشخص.

كما أكدت المنظمة أنه بالإضافة إلى ذلك، فإن الأطباء أو مهنيي الرعاية الصحية المكلفين بتنفيذ هذا الإجراء إنما يقومون به خارج نطاق التدقيق السريري والأخلاقيات المهنية.

احترام حقوق الإنسان ثقافة وليست نتاج خوف

جاء في مقال الأستاذ الخضراوي في معرض بحثه عن حجج للدفاع عن تشريع العقاب بالإخصاء الكيميائي أنه لما اكتشف تبنيه من لدن دول توصف عادة بالعراقة في التحضر البعيدة عن ثقافة مدن الملح-وفق وصفه- "هنا تنفست الصعداء، فلن تقوم هذه الدول على الأقل لتعطينا دروسا في القيم الكونية وفي حقوق المتهم الطبيعية، إذا ما فكرنا في مماثلة تشريعاتنا بتشريعاتها والغيرة على أعراض أبنائنا كما غاروا على أبنائهم".

من جهة أولى، فإنه يلزم على المجتمع والمسؤولين في جميع البلدان أن يحترموا حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا، ليس خوفا من انتقادات دولة ما، إنما باعتبارها قناعة مجتمعية راسخة، فثقافة حقوق الإنسان ليست زيا تنكريا يمكن ارتداؤه وخلعه متى ارتفعت الانتقادات أو خفتت. وما دام أن العقاب بالإخصاء الكيميائي يشكل خرقا لحقوق الإنسان وبشكل محسوم فيه، فإنه لا مجال للتفكير في تخصيص استثناء حقوقي له.

من جهة ثانية، وعلاقة بالعبارة التالية: "إذا ما فكرنا في (...) الغيرة على أعراض أبنائنا كما غاروا على أبنائهم"، والتي يجعل فيها الأستاذ الخضراوي من حماية تشريعات تلك الديمقراطيات لأعراض أبنائها نماذج يجب أن يحتذى بها من طرف المغرب لمحاربة الاعتداء الجنسي على الأطفال، في الوقت ذاته الذي تتضمن فيه ما يمكن أن يدفع الأستاذ الخضراوي إلى العدول عن رأيه في الموضوع تماما.

وأحيل هنا على سبيل المثال على مفهوم "سن الرشد الجنسي" (La majorité sexuelle)؛ هذا المفهوم الذي يقصد به السن القانونية لممارسة الجنس، وإذا ما أخذنا على سبيل المثال بلدان الاتحاد الأوروبي، التي تبدو مما كتبه الأستاذ أنها "تعتبر نموذجا في الغيرة على الأبناء" بعقابها المعتدين بالإخصاء الكيميائي، فإن هذا السن يمتد من 14 سنة إلى حدود 18 سنة، سواء كانت الممارسة الجنسية بين طفل وطفل أو بين طفل وراشد.

وعلى سبيل المثال، نجد ألمانيا وإيطاليا والبرتغال قد حددت السن في 14 سنة، وفرنسا وإمارة موناكو والسويد وكرواتيا واليونان في 15 سنة، وبلجيكا وهولندا والمملكة المتحدة وإسبانيا وفنلندا ولكسمبرغ في 16 سنة، وقبرص وإيرلندا في 17 سنة.

فهل هذه التشريعات تسمح لنا بالقول إن هذه البلدان يمكن أن تشكل نموذجا يحتذى به في الغيرة على أعراض الأبناء أو إنها فعالة في محاربة البيدوفيليا؟ إن مثل هذه التشريعات "النموذجية" لدى البعض هي أحد الأسباب المساعدة على انتشار الاعتداء الجنسي على الأطفال، ولعله الأخطر لأنه مقنع بالقانون.

على سبيل الختم

إن معاقبة المجرمين الذي يعتدون جنسيا على الأطفال بواسطة الإعدام أو الإخصاء الكيميائي لن يكون له ذلك التأثير الذي يتم التسويق له، فالأمم المتحدة أعلنت أنه لم يثبت أن الإعدام عقوبة رادعة، وكذلك يرى كثيرون أن الإخصاء الكيميائي، سواء كان قسريا أو برضى، لن يحد من هذه الاعتداءات، خاصة وأن تأثيره مؤقت في الزمن، وأن الباعث ذهني وليس عضويا، حيث يستدعي الأمر أولا التفكير الجماعي الرصين بعيدا عن ردود الفعل.

شارك هذا المقال:
  • لمناقشة آخر الأخبار مع أصدقائك و تتبع جرائدك المفضلة، سجل الآن!


    إحتراما لخصوصيتك لا نضع أي معلومات على فايسبوك.