هل يكبح تزايد "حضور السود" بالسينما العنصرية في أرجاء العالم؟

هل يكبح تزايد "حضور السود" بالسينما العنصرية في أرجاء العالم؟

يدربُ الملاكمُ العتيق روكي بالبوا الشابَّ أدونيس كريد (فيلم كريد 2 - 2018 إخراج ستيفن كابل جونيور). تظهر بيداغوجيا التدريب في أعلى مستوياتها، تستثمر أقصى الحوافز:

تحركْ على الحلبة لا تقفْ فتُحشَر في الزاوية...

لفصل الفعل عن رد الفعل، يطلب المدرب من ملاكمه إن وقع أرضا أن لا ينهض إلا عند وصول عدّ الحكم إلى رقم ثمانية... حتى في حالة الخسارة كان هناك مكان يذهب إليه، هناك يتجددون ولديهم دوافع نبيلة: فالملاكم الرجل الذي لديه زوجة وطفل لن يخسر، لديه ما يقاتل من أجله... ملاكم جاهز للحرب طالما أن حبيبته معه، وسيواجه الملاكم الروسي إيفان... هكذا أضيفَ سياق فادح للحدث وجذر إيفان الرهيب للحكاية... تصبح المباراة امتدادا للحرب الباردة... يسْهل على المتفرج أن يتماهى مع البطل حتى الجمهور الروسي يقف ويصفق للملاكم الأمريكي الأسود.

في هذا الفيلم، كانت البطولة للملاكم الأسود وحبيبته السمراء. ولم يعد البطل أبيض وحبيبته بيضاء بينما السود مجرد ديكور في الخلفية كما في فيلم "ذهب مع الريح" 1939.

تغيّر الوضع بعد 2009. ففي الفيلم الوثائقي "الكلمات التي بنت أمريكا" 2017 (على منصة ديزني بلوس) تعطى الكلمة أولا للممثل مورغان فريمان ليتحدث عن الوطنية وعن حدث استقلال أمريكا، وبعده تحدث روبير دونيرو.

مثال آخر:

في سنة 2018، ظهر فيلم المخرج ريان كوغلر "الفهد الأسود" BLACK PANTHER عن البطل الأسود الخارق.

في 2019، أدى مورغان فريمان دور رئيس أسود في فيلم المخرج ريك رومان ووغ "سقوط الرئيس الملاك Angel Has Fallen".

في 2019، ظهر فيلم التوأمان (GEMINI MAN 2019 للتايواني أنغ لي على منصة ديزني بلوس تحت الطلب) وفيه بطل قناص أسود يتربص فوق هضبة ويصيب هدفه الراكب في قطار فائق السرعة... بطل يقاتل ولا يموت في النهاية. وهو الأمر الذي يتكرر في فيلم بيتر سوليفان "هوس سري" 2019 ينقّب محقق أفروأمريكي ينقب باحترافية وإخلاص ويسيطر على المجرم المريض نفسيا. في 2020، سيعود سوليفان بفيلم "لقاء كارثي" عن أسرة من السود.

في 2008، وأثناء حضوره مهرجان كان اشتكى المخرج المناضل سبايك لي من قلة ظهور "الزنوج" في الأفلام الأمريكية، وهذا تعبيره. وذهب إلى اتهام كلينت إيستوود بأنه صوّر فيلمين عن الحرب لا يظهر فيهما جندي أسود. ومن جهته، لاحظ مورغان فريمان أنه حتى حين يكون هناك سود في أفلام هوليود يموتون في الغالب قبل نهاية الفيلم.

وفي سياق هذه النبرة الاحتجاجية، طرح سؤال لماذا تأخر تصوير فيلم يَظهر فيه الجاسوس جيمس بوند أسود؟ ومتى سيظهر بابا إفريقي في الفاتيكان؟ للإشارة حين يفشل انتخاب البابا يصعد دخان أسود لا أبيض. للون معنى عنصري.

وبفضل قدرة هوليود على تصدير أسئلتها، اندلع جدل في فرنسا حين صدور فيلم "دوما الآخر" 2009 الذي يروي سيرة الروائي ألكسندر دوما، حفيد العبيد الذي يعرف نفسه بأنه زنجي. وهو فيلم أسند مُخرجه سافي نيبور دور البطولة إلى الممثل الأبيض جدا جيرار ديبارديو. ثم حقق فيلم "اثنتا عشرة سنة عبودية" 2014 للبريطاني ستيف ماكوين نجاحا هائلا. وهذا فيلم يذكر بأجواء رواية أليكس هيلي "جذور".

بعد شكاية سبايك لي وبالتزامن مع انتخاب باراك أوباما (يناير 2009- يناير 2017)، زاد حضور السود في الأفلام الأمريكية والإنجليزية والفرنسية واشتهر ممثلون سود مثل عمر ساي في فرنسا وإدريس إلبا في إنجلترا (ظهر حديثا كراعي بقر في فيلم Concrete Cowboy سبتمبر 2020)، وبركهاد عبدي من الصومال رفقة العبقري توم هانكس في فيلم "الكاتبن فيليب" 2013.

تخدم غزارة الأمثلة في هذا المقال فرضية تزايد وزن الفنانين السود في المشهد العالمي. يمكن مقارنة حضور الممثلين السود في الأفلام قبل وبعد انتخاب أوباما الذي جعل العنصرية أكثر وضوحا وكأنها فعل ثأري.

حاليا، تسمح منصات المشاهدة التي توفر كل هذه الأفلام للناقد بالمقارنة في سياق تاريخي عرف انتخاب أول رئيس أسود في الولايات المتحدة، وقد كان لهذا تداعيات كبيرة في زمن صارت فيها السينما الفن الأكثر تمويلا ومتابعة جماهيرية.

دليل رقمي؟

مثلا ديوان شعر كلف ميزانية تصوير فيلم تيتانيك. ولا رواية حققت مليار دولار التي حققها فيلم الجوكر.

في ظل هذه المعطيات الرقمية لا بد من قراءة الافلام في سياقها السياسي وربطها ببعضها لمقارنتها. فكما أن هناك تاريخ أديان مقارنا وسرديات مقارنة لا بد من تاريخ أفلام مقارِنة. والسبب هو أن هذا التأريخ يجعل التحولات الفنية أكثر وضوحا بالكشف عن الانقطاعات والابتكارات والأزمات؛ بينما يؤدي تجاهل التاريخ إلى جعل المقارنات مصطنعة ووهمية (في كتاب السياسة المقاربة لبرتراند بادي وغي هيرميت ترجمة عز الدين الخطابي المنظمة العربية للترجمة 2013 ص 62-69).

في هذا السياق، يمكن لمعطى انتخاب أوباما أن يفسر تزايد التعامل البوليسي مع السود في أمريكا في زمن فيروس كورونا. حاليا، يدفع المرشح دونالد ترامب فجأة بشخصيات من عرقيات غير بيضاء إلى واجهة حملته الانتخابية.

إن العنصرية فيروس قديم باق ويتمدد؛ لأن كل المجتمعات تعيش العنصرية يوميا كاختبار سريري موجع. لذلك، فإن لحكايات العنصرية أفقا عالميا، خاصة في إفريقيا، كما هو الحال في جنوب المغرب وفي موريتانيا... وتنجح أفلام فضح العنصرية؛ لأنها مبنية على حكايات وسيناريوهات ذات أفق كوني، حكايات اختبرتها شعوب كثيرة وليست مجرد حكايات محلية لم تُختبر عالميا.

كيف يمكن تفسير حضور السود في الأفلام في وقت تعيش فيه الولايات المتحدة الأمريكية استقطابا سياسيا وعرقيا غير مسبوق، بالتزامن مع الحملة الانتخابية؟

ما معنى أن المقاتل الخارق روكي الملاكم (سيلفستر ستالون) يصبح مناضلا فجأة ويصور فيلما كانت الأغلبية المطلقة من شخصياته عن السود؟

هناك تفسير سياسي نضالي، وهناك تفسير تجاري.

يعتبر سبايك لي نفسه المناضل الحقيقي، لذا يشعر بالغضب لأن مخرجين بيضا يتناولون موضوع السود خاصته لأغراض تجارية؛ فحين صدر فيلم تارانتيو جانكو المحرر" 2012 رفض سبايك لي مشاهدته لأنه يتناول تاريخ العبودية بأسلوب "ويسترن سباغيتي". هكذا، انتقل المخرج من الاعتراض على غياب السود في السينما إلى الاعتراض على أسلوب حضورهم. لم تعجبه طريقة التناول. لكن بمقارن فيلم سبايك لي " Da 5 Bloods" (صدر في يونيو 2020 على نتفلكيس) وفيلم تارانتيو يظهر الفارق الفني هائلا.

في فيلم تارانتينو، يظهر مالك العبيد (أداء ليوناردو ديكابريو) حاملا منشارا ويقطع به جمجمة عبد خدمه 50 سنة، ليقيس بالسنتمتر ويدلل على أن منطقة الخضوع في جمجمة الإفريقي أكبر مما لدى كل البشر الآخرين. هكذا يثبت بيولوجيا إخلاص عبيده. لكن مالك العبيد هذا جاهل أصلا. لماذا؟ لأنه يضع رواية "الكونت دي مونت كريستو" في خزانته، ولا يعرف أن كاتب الرواية "زنجي" كما يُعرف ألكسندر دوما نفسه بفخر.

بمقارنة أفلام سبايك لي وكونتان تارانتينو، يحصل أن تكون أفلام المخرج الأبيض أكثر عمقا في إدانة العنصرية من المستوى الذي تقدمه أفلام المخرجين السود. لقد قدم بيتر فاريلي في 2018 صورة قوية للعازف الأسود في فيلم "غرين بوك"، وسابقا قدم فيلم ألكاتراس 1979 صورة أسطورية للسجين في العزلة. يقف سجين أسود ينصح الواصلين الجدد: أثناء العيش في جزيرة ألكاتراس المعزولة، يتعرض القاطنون هناك لاختبار يقسمهم. فيهم من تحطمهم العزلة وفيهم من تقويهم. هكذا يشرح السجين (أداء بول بنجامين) الأسود الأعرج المكلف بخزانة الكتب لموريس (أداء كلينت إيستوود). يشرح له كيفية تدبير الزمن في السجن. حتى الخروج.

يسأله: وأنت حين ستخرج هل ستكون محطما أو قويا؟

يرد بأنه لن يخرج أبدا لأنه محكوم بـ99 عاما مرتين.

السبب؟ لأنه قتل اللّذيْن كسّرا رجله فصار أعرج.

يسأله البطل: ولماذا لم تقل للمحكمة إن قتلهما كان دفاعا عن النف؟.

رد عليه: كان القضاة بيضا. بيضا جدا. أكثر بياضا منك.

في هذه الحالة، تم الحكم تبعا للعرق وليس للحجج والأدلة.

بينما هو الأسود في السجن صدم؛ لأن ابنته ستتزوج أبيض. أبيض جدا.

السجين الأسود الأعرج الملقب بـ"إنغليش" كان قويا في السجن لأنه صديق الكتب.

هذا مشهد أكثر بلاغة من نضالية سبايك لي.

أفلام ما بعد مقتل جورج فلويد

قتلت الشرطة جورج فلويد في مايو 2020، وصدر فيلم سبايك لي عن أخوة الدم في فيتنام بعد أسبوعين من قتل فلويد خنقا. هكذا، يظهر أن السينما فن حيوي يشتبك بشراسة مع اللحظة. ثم صدر فيلم (The old Guard من إخراج الأمريكية جينا برانس بيتوود) عن ميلاد بطلة خارقة سوداء في الجيش الأمريكي. وفيلم لقاء كارثي (FATAL AFFAIR) لبيتر سوليفان عن أسرة سوداء ناجحة مهنيا واجتماعيا.

فيلم بوليسي على أرضية العلاقة الزوجية المتآكلة. أسرة سوداء مثالية ناجحة لديها كل شيء؛ لكنها مصابة بعاهة عيون مغلقة على اتساعها. بعد عشرين سنة زواج... بعد الحب فالألفة جاء الملل ثم الغربة... صمت... فالبحث عن بديل في السرير... قد يكون الحل أسوء من المشكل.

صدر فيلم "هارييت" 2020 للمخرجة كاسي ليمونز عن مناضلة من منتصف القرن التاسع عشر. وفيه استخدمت شركة ديزني منطقها لتصور مطاردة الأثرياء الجنوبيين للعبيد كأنها مطاردة رسوم توم وجيري. لا يكفي سرد حلم تحرر السود للوصول إلى عمق فيلم "غرين بوك". وأحدث مثال هو فيلم كريستوفر نولان تينيت TENET في نهاية غشت 2020، وفيه يلعب الأسود جون دافيد واشنطن دور بطولة مطلقة.

في ظل هذه الكثافة والمناقشات التي ترافقها، صار صدور فيلم عن السود حدثا اجتماعيا وليس مجرد حدث فني، كما هو حال اختيار نائبة رئيس من الملونين. بين يوم وليلة، صارت كمالا التي لم تنتخب بعد أشهر من نائب الرئيس دونالد ترامب. من يعرف اسمه؟

طبقيا، اعتبر البياض ميزة، يبدو أن في كتابة هذا خطأ ما؛ لكن الواقع مرير. وحاليا، كلما انتشرت عقلية الأنوار إلا وصار الافتخار بلون معين عارا.

في عالم الأدب، تمنت توني موريسون - في خطاب تسلم جائزة نوبل 1993 – حلول يوم تكتب فيه عن السود دون أن تضطر إلى ذكر أنهم سود. طبعا، لا يذكر الكاتب الأبيض أن أبطاله بيض، يفترض أن هذا هو الأصل؛ لكن اللاعدالة العرقية متجذرة. في السياسة اللاعدالة أرسخ ولن يتحرر السود والأقليات طالما ينتخب الرئيس الأمريكي بواسطة الناخبين الكبار وليس بالاقتراع العام المباشر كما في فرنسا. في السينما اللاعدالة الفنية راسخة، إذ لا أحد يذكر لون المخرج أو الممثل الأبيض. مشكوك أن تنتهي هذه الظاهرة قريبا، خاصة وقد صرحت السيدة كمالا هاريس: لا يوجد لقاح ضد العنصرية".. لذا، فالأمل معقود على الفن، والسينما خاصة، كجسر بين الشعوب لتخليص الإنسانية من العنصرية.

شارك هذا المقال: