أزمات سياسية واجتماعية وأمنية تضع فرنسا على "صفيح ساخن"

أزمات سياسية واجتماعية وأمنية تضع فرنسا على "صفيح ساخن"

يتحدث إبراهيم شرفي، باحث جامعي متخصص في الفكر السياسي مقيم بباريس، من خلال هذه المقالة المعنونة بـ "فرنسا على صفيح ساخن.. إلى أين؟"، عن الأزمات التي تهدد كيان الدولة الفرنسية، في ظل الأحداث المثيرة للجدل التي تشهدها "بلاد الأنوار" طيلة السنوات المنصرمة، لا سيما ما يتعلق بالهجرة والأمن والقضاء والاحتجاج، وغيرها من القضايا.

وإليكم نص المقالة:

أزمة الهوية والانتماء من أخطر الأزمات التي تهدد كيان الدولة الفرنسية

تعلقت آمال الفرنسيين برئيس جديد قد بلغ أشده ودخل سن الرشد حين تقلد أعلى مناصب الجمهورية الفرنسية 2017. هذا الوصول إلى أعلى قمة في هرمية التشكل السياسي الفرنسي تم دون المرور عبر المنافذ الكلاسيكية التي عرفتها الجمهورية الخامسة، والتي فتحت مرحلة سياسية جديدة بينت أن الديمقراطية من "أسوأ أفضل" الأنظمة السياسية التي بلغها العقل السياسي في تمثله الأوروبي والفرنسي تحديدا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شاب عرف بالأناقة العلمية والتميز الدراسي، فحياته الشخصية والمهنية والسياسية مثيرة للانتباه. ترك واستقال من وزارة الاقتصاد سنتين قبل نهاية الفترة الرئاسية للرئيس السابق فرانسوا هولاند، واعتبر قراره نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة لشخصه ولفرنسا، لم لا وهو رجل شاب محنك صنع لنفسه مجدا بمساعدة زوجته التي كانت أستاذة له لمادة اللغة الفرنسية، وكانت ترأس في الثانوية ناديًّا للمسرح، وكان عمره 17 سنة بينما كانت عمرها 40 سنة آنذاك.

فرنسا تعلقت بالرجل عاطفة وقلدته ديمقراطيا منصب رئاسة الدولة

ماكرون واجه أول أزمة، وهي أنه وصل الحكم خارج قوانين اللعبة السياسية المعروفة التي كانت تعتمد على تنافسية سياسية في إطار حزب سياسي. ماكرون يعتبر أول رئيس يصل الحكم دون حزب سياسي، بل إنه فجر الوضع السياسي للأحزاب التقليدية الفرنسية، ووعد بتمزيقها؛ وقد تحقق له ذلك! وهذا له تبعات ونتائج لاحقا.

واجه ماكرون أزمة اهتز لها قصر الإليزيه، وذلك عندما تصرف شاب عربي ومسلم اعتبر من المقربين من العائلة الماكرونية خارج مهامه الاستشارية للرئيس ماكرون؛ تصرف كشرطي! تصرف كسائق! تصرف كحارس خاص! تصرف كمنسق أمني! إلخ. الرأي العام الفرنسي اهتز لوجود شاب من غير أن تحدد صفته القانونية والمهنية داخل منظومة أمن الاليزيه. الشاب ألكسندر مروان بنعلا "قدم للمحكمة ولم يتم بعد استصدار حكم في قضيته!"

واجه ماكرون أزمة اجتماعية خلال سنتين، سبتية سوداء، تزعمها هذه المرة شعب الدولة الفرنسية العميق الذي سمي "فرنسا الأقاليم". وهذا الحراك ليس سوى النتيجة الطبيعية لقرار ماكرون في تمزيق الأحزاب السياسية والتقليل من شأنها، إن لم نقل تحييدها بشكل كلي سياسيا واجتماعيا. انتفض أصحاب البدلات الصفراء (كانت هذه البدلة شعارا للحركة)، وكانوا من كل شعاب المجتمع الفرنسي وطبقاته: أطباء، محامون، عاطلون، نساء، متقاعدون.

غياب الأحزاب السياسية لتأطير وامتصاص غضب الشعب الفرنسي القادم من المجال الفلاحي خارج المدن الكبرى، جعل ماكرون يهدد إلى حدود جدران القصر الرئاسي.. تهديد وإعلان علني لبعض رموز الحراك بقتله كما قتل لويس السادس عشر، شعب فرنسا قطع رأس آخر ملك لها أمام الملأ؛ وهذه الصورة والصقل التاريخي رُدد بشكل علني، ولم يسبق لرئيس فرنسي أن بلغ هذا الحد من الكراهية!

أصحاب البدلات الصفراء رددوا بشكل ضئيل نسبيا شعارات دلت على طبيعة العقل الفرنسي تجاه الأجانب، خاصة العرب المسلمين والمنحدرين من جنوب الصحراء. استغلت بعض الأحزاب السياسية، خاصة من أقصى اليمين وأقصى اليسار، هذا الحراك، ولم توفق لا سياسيا ولا اجتماعيا، لكن ظهر حزب أقصى اليمين "التجمع الوطني" بزعامة مارين لوبين ليعلن بداية أزمة خطيرة في المجتمع الفرنسي. رفع الحزب شعارا ملخصه "كل مشاكل فرنسا هي نتيجة للهجرة والتواجد المغاربي في فرنسا، بالإضافة إلى الفشل السياسي للاتحاد الأوروبي. ثم جاءت أزمة جائحة كوفيد-19، فعمقت الأزمة الاقتصادية العالمية والفرنسية تحديدا، ولن نعرج على نتائج الجائحة اقتصاديا وسياسيا وصحيا.

فرنسا بين التوحش وفكرة الانفصال

الدولة الفرنسية برئاسة ماكرون واجهت منذ نهاية الحجر الصحي ما يشبه أزمة اجتماعية انتمائية للوطن، تمثلت في تبني بعض الأحزاب السياسية اليمينية لخطاب صريح معادٍ لتواجد المهاجرين، وفي الخطر القادم الذي يشكله الإسلام حسب زعمهم على البنية السوسيو-ديموغرافية والتاريخية لفرنسا. هذه الأزمة جعلت حزب لوبين يستدعي وصفا قبيحا كتبته الأدبيات السياسية الفرنسية قديما لوصف الحالة المجتمعية الجديدة، هو "التوحش".

هذا الوصف ("التوحش") حسب موقف الأحزاب المعنية تلفظ به وتبناه وزير الداخلية الفرنسي، ليتفق وتلتقي بذلك وجهات النظر بين الحكومة والمعارضة. بينما تحدث الرئيس ماكرون عن رغبة الدولة وعزمها على محاربة ما سماه "فكر الانفصال داخل الدولة"، وللوصف بعدٌ خطير ستهتز له أركان الدولة الفرنسية، خاصة بعدما اعتمدت صحف فرنسية لم تكن من قبل تهتم في خطها التحريري والتحليلي لغة التخويف لا لغة المقاربات الأمنية.

هذه الصحف استغلت كل حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي للتعبير عن فلسفتها الجديدة في التعامل مع الأحداث. هذا النهج من طرف الأحزاب السياسية والصحف الفرنسية جعل كلمة الرئيس والأجهزة الرسمية للدولة تؤثر بشكل ضئيل في الرأي العام المحلي... ولن نغامر إذا ما قلنا إن الكلمة الحكومية الرسمية فقدت مصداقيتها وقوتها، وهذه العلاقة الجديدة أظهرت سلوكا جديدا كذلك في الشارع الفرنسي، تمثل في رفض السلطة ورفض رموز السلطة من شرطة ودرك وأمن وأعضاء حكومة.

قنوات رسمية ممولة من ضرائب يدفعها المواطن تستضيف رموزا ومفكرين روجوا في كتبهم للخطاب العدائي وبشكل صريح لا يحتاج تأويلا ولا يحتاج قرائن للتوضيح. حسابات إلكترونية لجرائد تنقل كل خمس دقائق أحداث: سرقة، سطو، قتل، مخدرات، اغتصاب الخ، لا سيما تلك التي يتورط فيها للأسف شباب عربي، مسلم، مهاجر، نازح، لاجئ، وأصبحت هذه القنوات تروج بشكل جديد غير معهود لأسماء المجرمين ودينهم وأصولهم ولونهم وتاريخهم، قبل أن يذكر ذلك ويتطرق إليه جهاز القضاء الفرنسي. محاكمات اجتماعية إلكترونية قبل محاكمات القضاء الرسمي، فالوضع في فرنسا ليس وضعا طبيعيا وليس وضعا حسنا، لكن قوة الدولة والعقلية الفرنسية تكمنان في الطرح دون خوف ودون طوباوية للمشاكل والقضايا المجتمعية.

الإسلام والمسلمون في الواجهة.. في قفص الاتهام!

إحياء ذكرى "شارلي إبدو" تعد من أكثر الأحداث التي كشفت عن سباق بعض السياسيين والمحللين لصب جام غضبهم على الإسلام والمسلمين في النمطية نفسها في التعامل مع قضيتين أساسيتين، هما حرية التعبير واحترام عقائد الآخرين. الإرهاب الذي قتل العشرات في فرنسا أجج بشكل علني هذه المرة الصراع وجعله يصل إلى حد كبير من المواجهة الفكرية، خاصة في الإعلام بكل أصنافه. "شارلي إبدو" أعادت نشر الصور التي تسببت في مقتل اثني عشر من العاملين في مقر الجريدة الهزلية. من جديد يتهم الإسلام خطأ، ويزج بالمسلمين الفرنسيين في دوامة من التبرير ورفع الحرج.

هذه الأزمة التي تتجدد ذكراها أعادت طرح أسئلة: إلى أي حد يشكل المسلمون خطرا على المجتمع الفرنسي؟ هل استوعب المسلمون تاريخ فرنسا؟ هل استوعب المسلمون علاقة فرنسا بالدين المسيحي والتسلط الكنسي لمئات السنين على ضمائر الناس؟ أليس من حق الفرنسي أن يرفض الدين لأنه ذاق مرارة البابا والقس؟ هل يدرك المسلمون الفرنسيون حقيقة دينهم؟

المجتمع الفرنسي غير منضبط وليس سهل المراس ومزاجي الطبع وذهنيته مسطرية قانونية؛ بمعنى آخر لا يوجد ممنوع خارج دائرة القانون ولا توجد خطوط حمراء إلا تلك التي وضعها المشرع. الأخلاق ليست الهم الأول الفرنسي ولا يرتبط بها أصلا، ويعتبر ذلك من عقلية القرون الماضية. القاعدة الأخلاقية لا وزن لها في تحديد وتوجيه السلوك العام. معيارية التعامل والتصرف في ضبط حركة المجتمع يكمن في فلسفة القاعدة القانونية. لا سلطة دينية، لا سلطة أخلاقية تستطيع أن تنثر في حركة المجتمع الفرنسي.

البرلماني الفرنسي يمثل الشعب ويمثل المصلحة العامة

أما ما هو معروف، نظريا، في ذهنية المسلم فهو قيمة القيم الأخلاقية في السلوك العام للمجتمع، وينظر إلى القانون على أنه بشري ولا يستطيع أن يتحكم في حركة المجتمع انضباطا، بل بعض الحركات التي تدعي الانتماء إلى الإسلام تنظر إلى القانون البشري على أنه كفر، ولا يمكن أن يخضع له المسلم، وهذا معروف عند أصحاب الفكر السلفي الذي أثر بشكل كبير على الشباب المسلم الفرنسي.

على الرغم مما قيل، يبقى المجتمع الفرنسي مجتمع حوار ونقاشات لا تنقطع تثير كل المواضيع بدون تحفظ؛ وهنا أكاد أقول إنه سليم وصحي مادام في إطار القانون. الحاصل أنك في المجتمع الفرنسي لا تلمس غالبا غموضا ولا ترى فيه زوايا مظلمة، وأحيانا ترى فيه تناقضا واضحا في الآراء ووجهات النظر حتى بين الأطباء والمختصين في أكبر المختبرات في تفسير وتوضيح جائحة كورونا.

الأزمة في فرنسا تنذر بخطر قادم إن لم تتحرك جهتان أساسيتان لهما علاقة مباشرة بقضايا وأزمة الهوية والانتماء للوطن المثارة مؤخرا إلى جانب باقي الأزمات: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والصحية والسياسة الخارجية الفرنسية التي تحتاج إلى مشروع "مارشال" جديد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

الجهتان المسؤولتان هما: القضاء والأمن

مسؤولية القضاء

القضاء الفرنسي قضاء مطاطي ولا يتسم بالصرامة والزجر الكافي، ويتأثر كثيرا بإيديولوجية الأنسنة التي تنظر إلى المجرم بنظرية القاعدة القانونية، وليس بنظرية أبرياء انتهكت حقوقهم ولم يكترث المجرم بحياتهم، قضاء يأخذ بعين الاعتبار حقوق السجناء وحقوق حتى أخطر المجرمين من أولى الأولويات. قضاء لا ينفذ الأحكام ويولد لدى الرأي العام الشعور بالإفلات من العقوبة... ذكرت صحيفة "ليبيراسيون" أن أكثر من مائة ألف حكم بالسجن لم ينفذ إلى حدود سنة 2018.

قضاء يعلم المجرمون بطبيعته، ولم يعد السجن يخيفهم، ويتصرفون كأنهم يحضرون أنفسهم للذهاب إلى منتجع من المنتجعات الصيفية... وآخر ما ذهبت إليه الحكومة الفرنسية في هذا الباب هو أن تجعل لكل سجينين زنزانة واحدة مع مراعاة الظروف الجيدة للسجين. أكثر من 75% من السجناء في فرنسا أجانب ومن الديانة الإسلامية؛ وهذا الرقم جعل الأحزاب السياسية اليمينية الفرنسية تثير وجنودها بشكل مستمر فكرة التوحش الذي تسبب فيه الأجانب، وتؤكد على الانقلاب في المجتمع الفرنسي. أكثر من 55% من الفرنسيين طالبوا، خلال آخر استقصاء للرأي، بإعادة إدراج حكم الإعدام في منظومة العقوبات الجنائية وتطبيق عقوبة السجن المؤبد، مع عدم إمكانية التخفيف في هذا الحكم.

مسؤولية الأمن

أجهزة الأمن الفرنسية لم تعد لها القدرة على بسط سلطتها على كل جغرافيا الدولة، حيث توجد مناطق وأحياء لا يدخلها الأمن. وهذا الإخلاء يعود إما لكون الشرطة ليست مؤهلة لمواجهة النماذج الجديدة للجريمة وخوفها من مواجهة مشاكل متجذرة لعقود إلى درجة أنها شكلت ديكورا طبيعيا لحياة مجموعة من سكان الأحياء الشعبية.

هذا الإفلاس جعل الدولة تغلق عشرات المديريات الأمنية للشرطة، ما كان يسمى بشرطة القرب في عديد من الأحياء، وترك السكان لقانون مروجي المخدرات. أمن فرنسي فقد بريقه وسلطته بسبب تورط مديريات، مديرية باريس ساندوني ومديرية مارسيليا وليون، في خيوط المخدرات والعصابات؛ وهذه العلاقات أظهرتها تلك الصحف والحسابات التي أشرنا إليها أعلاه على منصاتها للتواصل الاجتماعي، مما اضطر المسؤولين إلى إحالة الأمنيين المتورطين إلى المحاكمة.

شرطة تبين أنها تتكون من عناصر عنصرية، وتتصرف ليس من منطلق رجال أمن يسدون خدمة مدنية لحماية المواطن دون تمييز عنصري، ولكن كانوا في أغلب تصرفاتهم انتقائيين. شرطة في نظر الرأي العام الفرنسي تضرب بيد من حديد على بسطاء الناس أحيانا بسبب عدم وضع اللثام أو الكمامة في الأماكن العمومية، ولا تضرب بالقوة نفسها على "المتوحشين" في الأحياء حسب ما يروجه الرأي العام.

عموما، فرنسا على صفيح ساخن اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وأمنيا، لا سيما أنها مقبلة على انتخابات رئاسية مصيرية بعد سنتين من الآن. إذا قدم ماكرون للشعب الفرنسي حصيلة إيجابية، فستتم إعادته إلى القصر الرئاسي مرة أخرى، علما أن الرجل يتوفر على طاقة لغوية وسجالية تفوق الخيال، ويتفوق على كل السياسيين الفرنسيين بشكل واضح، وسيكون أقوى مع اكتساب تجربة الرئاسة لمدة خمس سنوات. للأسف الشديد، الحصيلة التي ستقدمها الحكومة للشعب الفرنسي ستكون على حساب الحلقة الأضعف في المجتمع الفرنسي: المسلمين والمهاجرين.

شارك هذا المقال:
  • لمناقشة آخر الأخبار مع أصدقائك و تتبع جرائدك المفضلة، سجل الآن!


    إحتراما لخصوصيتك لا نضع أي معلومات على فايسبوك.