باحث ينتصر لـ"التّعاقد الاختياريّ" من داخل الفقه السياسي الإسلاميّ

باحث ينتصر لـ"التّعاقد الاختياريّ" من داخل الفقه السياسي الإسلاميّ

ينضَمُّ كتاب جديد إلى محاولات التأسيس لـ"فكر سياسيّ إسلاميّ ينتصر لأطروحة التّعاقد الاختياريّ الحُرّ" من داخل "المرجعيّة الإسلامية" بوصفها "نصوصا ثابتة وتراثا فكريا"، انطلاقا مِن مبدأ إسلاميّ أصيل هو "الرّضا" الذي يعدّ "شرطا في أي اختيار حرّ دينا ودنيا، وينتفي معه الإكراه، الذي هو ضرر".

إنه كتاب الباحث أحمد بوعشرين الذي في شهر شتنبر الجاري عن المركز الديمقراطي العربي ببرلين الألمانية، معنونا بـ"نحو فكر سياسي إسلامي مؤسّس للتّعاقد الاختياريّ الحُرّ".

ويقرّ الباحث أحمد بوعشرين بالمخاطر التي تحيط بمحاولة الانتصار للتّعاقد الاختياري الحرّ من داخل هذه المرجعية الدينية، بفعل "تراكماتٍ تراثيّة منزوعة عن سياقاتها التاريخية التي أسّست لفقه الغلبة السّلطانيّ الاستثنائيّ، على حساب فقه الاختيار الأصيل"، وبسبب "استمرار رزوح أغلبية بلاد المسلمين تحت وطأة الاستبداد، الذي ظلّ يتوسّل شرعيّته من غلبته وشوكته، ومن مؤسسات دينية تبرّر له هذه الشّرعية، مُوَظِّفَة فهما معينا ينضب من تلك التراكمات التراثية".

ويذكر أحمد بوعشرين أن أغلب الدراسات والأدبيات التي ناقشت موضوع التعاقد السياسي، في الفكر الإسلامي، "تناولته فقط على الهامش دون التّركيز على أهميّته ومحوريّته"، وتفرّقت أغلبها على أربع رؤى، في أولاها دفاع على وجوب الخلافة ردّا على كتابات فكرية أيّدت فكرة عدم وجوبها، وهو خطّ كتابات رشيد رضا، ومصطفى صبري، ورسائل حسن البنا.

وثاني أصناف الكتابات التي ناقشت التعاقد السياسي في الفكر الإسلامي دافعَت، وَفق الباحث، عن كون السياسة جزءا من الدين ولا فصل بينهما، كما عند محمد عمارة ويوسف القرضاوي على سبيل المثال، وثالثها نظّر لنظام الحكم في الإسلام وقارنه بأنظمة الحكم المعاصرة، وغالى في الدفاع عن نظام الحكم في الإسلام وكَفَر بما راكمته الخبرة الإنسانية من آليات ديمقراطية ومؤسسات تعكس الإرادة الشعبية، مثل كتابات أبي الأعلى المودودي، وسعيد عبد العظيم.

أمّا رابع الكتابات، فقارب بين تراكمات التجربة الإنسانية في مجال الديمقراطية وبين المنظور الإسلامي للدولة المجسّدة لإرادة الدولة، كما عند فهمي هويدي، وراشد الغنوشي.

ويرى أحمد بوعشرين أنّ نقاش مجمل هذه الكتابات، وغيرها، قد انصَبَّ على "الدفاع عن شمولية الدين للسياسة"، بما يظهر معه للباحثين أنّ "رواد الفكر السياسي الإسلامي في جبهة متراصّة في مواجهة طروحات (تبخيس) عظَمة الإسلام وشموليّته"، في حين "وقع إغفال نقاش من داخل الفكر الإسلامي بسبب التّنظير للدّولة من وجهة نظر محدّدة" تبيّن معه "أنّ ليس ثمَّة انسجاما تامّا بين هذه الطّروحات الفكريّة في تصوُّرِها للدّولة المنشودة إسلاميا".

ومن أوجه عدم الانسجام بين هذه الأطروحات، حَسَبَ كتاب بوعشرين، أنّ فيها "من يدافع بقوّة على فكرة سموّ الحاكميّة"، ومن يدافع على "فكرة سموّ الإرادة الشّعبيّة أو إرادة الأمّة"، و"مَن أسّس تنظيره السياسي على فكرة الدّولة المتغلِّبَة، التي تصادر إرادة الأمّة والمجتمع وتتغلّب عليها بالشوكة والقوة، مرتكزا على مفهوم (الاضطرار) الذي تمتنع معه أي فكرة إصلاحيّة".

وينطلق بوعشرين من الحاجة إلى "تأسيس فكريّ للتّعاقد الذي له أصوله الدينية الثابتة؛ لأنّه نقيض الإكراه"، علما أنّ الإكراه "ليس موجبا للمحاسَبَة، لا في الدّنيا ولا في الآخرة، بما أنّه ينتج عنه كَسب لا اختياريّ".

وفي سبيل تحقيق هذا المقصد، عمل الباحث في جزء معتبر من بحثه على دحض النّظرة التي تحصر الفكر السياسي الإسلامي، في ما أفضت إليه أطروحة الغلبة التي تستمدّ مستنداتها من فقه إمامة الغلبة التاريخي، وتبرير الظّلم والاستبداد، ومخاصمة كلّ دعوات التّحرّر والحرية والكرامة والعدالة. وهو ما استدعى في سبيله نصوصا قرآنية، ومحطّات من السيرة النبوية، ونماذج من التطوّرات المعاصرة للفكر السياسي الإسلامي، ونماذج من تراث الفقه السياسي الإسلامي، ليخلص إلى أنّ "تجويز إمامة المتغلّب كان تجويزا اضطراريا"، أما الأصل عند جمهور الفقهاء فهو "الاتفاق على شرعية التنصيب بالاختبار".

ويقصد أحمد بوعشرين في دراسته المعنونة بـ"نحو فكر سياسي إسلامي مؤسّس للتّعاقد الاختياريّ الحُرّ" الإسهام في "تعزيز طريق الاختيار"، بمحاولة "التأسيس النظري لفكرة التعاقد السياسي الحرّ"، وهي الفكرة التي يعتبرها "فكرة إسلامية أصيلة أصالةَ النّصوصِ الشّرعيّة المؤسِّسَة لها".

شارك هذا المقال: