جائحة "كورونا" تتسبّب في تراجع النفوذ البرازيلي بالقارة الإفريقية‬

جائحة "كورونا" تتسبّب في تراجع النفوذ البرازيلي بالقارة الإفريقية‬

يتحدث فريد مشقي، رئيس غرفة التجارة المغربية الإفريقية البرازيلية، عن واقع العلاقات بين القارة الإفريقية والقوة الصاعدة من أمريكا اللاتينية، إذ يشير مقاله، المعنون بـ"الجمهورية البرازيلية تدير ظهرها للدول الإفريقية!"، إلى تراجع الوجود البرازيلي في "القارة السمراء" طوال السنوات الماضية، لاسيما بعد بروز أزمة "كورونا"، ما دفع الصين إلى استغلال هذا الفراغ، عبر تعزيز التنين الصيني علاقاته الاقتصادية مع الفواعل القارية.

وإليكم المقالة:

تتمتع البرازيل بالكثير من أنواع التربة وظروف المناخ المختلفة، ولذلك لديها مجموعة متنوعة من المحاصيل الزراعية الصالحة للتصدير، وهذه العوامل ساعدتها لتصبح ثاني أكبر مصدر للغذاء في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية حسب منظمة التغذية العالمية (الفاو)، خصوصا المنتجات الحلال، كما تعتبر من الدول المصدرة للكثير من المواد الأخرى المصنعة الثقيلة والخفيفة، لهذا كانت إفريقيا قبل سنوات بمثابة السوق التجاري الكبير للمنتجات البرازيلية المختلفة، منها المواد الغذائية كالسكر والأرز وزيوت المائدة واللحوم البيضاء والحمراء.

لكن في السنوات الأخيرة بدأ التبادل التجاري بين البرازيل وإفريقيا يعرف انخفاضًا حادًا، ومن المتوقع أن يتراجع أكثر عام 2020، وخصوصا مع الشركاء المهمين، كنيجيريا وأنغولا وموزنبيق.. وقد تم ملء هذا الفراغ بشكل متزايد من قبل الصين التي عززت نفوذها التجاري على مدار أكثر من عشر سنوات باعتبارها أكبر شريك تجاري للغالبية العظمى من البلدان الأفريقية؛ في حين أن البرازيل توجهت شطر الدول العربية والخليجية على وجه التحديد، بحيث احتلت الجزائر صدارة الدول العربية بالنسبة لمستوردي السكر البرازيلي في موسم حصاد قصب السكر الحالي، وفقًا للأرقام الصادرة عن اتحاد صناعة قصب السكر (أونيكا).

واستوردت هذه الدولة العربية 588 ألف طن من البرازيل بين أبريل ويونيو من العام الجاري بنسبة 13٪ من إجمالي حجم السكر الذي أرسلته البرازيل إلى دول أخرى في تلك الفترة، علما أن البرازيل هذه الأيام في شهرها الأول من موسم حصاد قصب السكر، وسيستمر حتى مارس من العام القادم2021. وتعتبر الدول العربية من أكبر عشر دول مستوردة للسكر من البرازيل، إذ تحتل الجزائر المركز الأول، والمملكة العربية السعودية المركز الرابع، والإمارات العربية المتحدة في المركز السادس، ومصر في المركز السابع، والعراق في المركز التاسع؛ أما المركز الثاني تحتله الصين، والثالث نيجيريا، والخامس بنغلاديش، والثامن الهند، والعاشر الولايات المتحدة.

قلت، فتراجع الصادرات والواردات بين البرازيل والدول الإفريقية استغلته جمهورية الصين ودخلت بقوة إلى إفريقيا عن طريق مشروعها الضخم "طريق الحرير الجديد"، للقيام باستثمارات ضخمة في أعمال البنية التحتية الإستراتيجية عبر القارة الإفريقية. ومما زاد من النفوذ الصيني في إفريقيا الانخفاض الحاد في التجارة الخارجية بين البرازيل وإفريقيا هذا العام، مع وباء كوفيد-19 الذي أصاب الاقتصادين البرازيلي والإفريقي في الفترة من يناير إلى مايو، فتراجعت الصادرات البرازيلية إلى البلدان الإفريقية بنسبة 39٪ لتصل إلى 2.807 مليار دولار أمريكي.

وكان التراجع في الصادرات الإفريقية أكبر من ذلك، إذ انخفض بنسبة 33.7٪ ، ليبلغ إجماليها ما يزيد قليلاً عن 1.555 مليار دولار. ومقارنة بالأشهر الخمسة الأولى من العام الماضي، انخفض حجم التبادلات الثنائية بنسبة 17.1٪، ليبلغ إجمالي قيمتها 4.372 مليار دولار أمريكي، حسب بيانات أمانة التجارة الخارجية (Secex) التابعة لوزارة الاقتصاد.

ومما زاد الطين بلة كما يقال الانهيار الحاد للعلاقات التجارية البرازيلية – الإفريقية بسبب جائحة كورونا.. ففي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كانت نيجيريا من بين أكبر مصدري النفط للبرازيل، ومن ناحية أخرى، استوردت سلسلة من المنتجات البرازيلية، بما في ذلك السيارات. وعام 2013، شهدت التجارة البرازيلية النيجيرية ذروتها وبلغ إجمالي الصادرات البرازيلية 876 مليون دولار أمريكي (تم تسجيل رقم الصادرات القياسي عام 2008، بقيمة 1.534 مليار دولار أمريكي)، بينما وصلت المبيعات النيجيرية إلى أعلى مستوى في تاريخ التبادل الثنائي، بمبلغ قياسي قدره 9.648 مليار دولار أمريكي.

في ذلك العام، تجاوز تدفق التجارة بين البلدين الرقم 10.5 مليارات دولار أمريكي. وفي الأشهر الخمسة الأولى من عام 2020، شهدت الصادرات إلى نيجيريا زيادة طفيفة بنسبة 10.5٪ وبلغ مجموعها 218 مليون دولار أمريكي، وهي قيمة تعادل 0.5٪ من إجمالي الصادرات البرازيلية في هذه الفترة. وفي المقابل، تراجعت المبيعات النيجيرية إلى البرازيل بنسبة 37.2٪، بإيرادات بلغت 250 مليون دولار أمريكي.

بهذه الأرقام، احتلت نيجيريا، التي تم إدراجها في السنوات الذهبية للتبادل الثنائي في المجموعة المختارة من الشركاء التجاريين الخمسة الرئيسيين في البرازيل؛ أما أنغولا، وهي دولة ناطقة بالبرتغالية، وكانت البرازيل أول دولة تعترف باستقلالها عن البرتغال، في نوفمبر 1975، هي شريك إفريقي آخر شهد انخفاض التجارة الثنائية مع البرازيل بشكل كبير. في عام 2008 تم تسجيل أرقام قياسية في التبادلات بين البلدين، حيث بلغ إجمالي الصادرات البرازيلية 1.964 مليار دولار أمريكي، والمبيعات الأنغولية مبلغ 2.221 مليار دولار أمريكي. في ذلك العام، بلغ إجمالي تدفق التجارة البرازيلية النيجيرية 4.195 مليار دولار أمريكي. في العام الماضي، حيث بعد سنوات، بلغ إجمالي التبادلات الثنائية 585 مليون دولار فقط.

هذا العام، يشير كل شيء إلى أن الأرقام ستكون أقل تعبيرًا.. من يناير إلى مايو، بلغت الصادرات البرازيلية حوالي 146 مليون دولار أمريكي وبلغ إجمالي المبيعات الأنغولية 99 مليون دولار فقط.

أما الاقتصادان المغربي والبرازيلي، شأنهما شأن باقي اقتصادات بلدان العالم، فتأثرا بالوباء، وبالتالي الوضع الحالي يتطلب إعادة التأقلم مع الظروف الجديدة وبلورة خطط اقتصادية بديلة قائمة على تشجيع وتنويع الصادرات؛ علما أن المبادلات التجارية بين البلدين ظلت مستقرة نسبيا على الرغم من تفشي الوباء. بالإضافة إلى ذلك، لم تتوقف الواردات البرازيلية من الفوسفاط والأسمدة المغربية، كما أن الصناعات الغذائية في العملاق الجنوب أمريكي تعد من بين القطاعات الاقتصادية القليلة التي حافظت على أداء إيجابي خلال الربع الأول من السنة الجارية، لهذا حافظت الصادرات البرازيلية إلى المغرب بشكل أو بآخر على وتيرتها وتنوعها.

وختاما، فإدارة ظهر الجمهورية البرازيلية للدول الإفريقية تم استغلاله جيدا من قبل التنين الصيني بإقامة علاقات قوية وبصورة متزايدة مع الدول الأفريقية، ففي عام 2007 استثمرت الشركات الصينية ما مجموعه 1 مليار دولار أمريكي في إفريقيا.

والقارة الإفريقية في الحقيقة قارة مهمة وخصبة تحتاج إلى دعم دولي وأممي، كما تحتاج إلى رؤساء أمناء ورجال أعمال ومستثمرين وتجار لعلهم يدفعون بها إلى شاطئ الاستقرار والتقدم والنماء، وهذا ما يحاول فعله اليوم جلالة الملك محمد السادس في سياسته الجديدة نحو العمل المشترك جنوب/ جنوب.

وفي هذا السياق قام مجموعة من المغاربة والأفارقة في البرازيل، بالإضافة إلى بعض البرازيليين، بتأسيس الغرفة التجارية المغربية الإفريقية البرازيلية للمساهمة قدر الإمكان في نماء وتقدم هذه الدول التي مازالت -للأسف - الأكثر فقرا وتخلفًا بين قارات العالم، ويرجع ذلك في رأينا إلى مجموعة من الأسباب التي قد تشمل انتشار الأمراض القاتلة والفيروسات -ولاسيما فيروس العوز المناعي البشري / الإيدز والملاريا- فضلًا عن الحكومات الفاسدة التي غالباً ما ترتكب انتهاكات خطيرة ضد حقوق الإنسان؛ ناهيك عن الصراعات الدينية والقبلية والعسكرية المتكررة، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات النمو، لاسيما في أنغولا والسودان وغينيا الاستوائية.. هذه السلبيات التي ترتكبها الحكومات الإفريقية تدفع ببعض الدول ورجال الأعمال والمستثمرين إلى البحث عن أماكن أخرى آمنة مطمئنة يضمنون من خلالها حقوقهم وتنمية رؤوس أموالهم .

شارك هذا المقال:
  • لمناقشة آخر الأخبار مع أصدقائك و تتبع جرائدك المفضلة، سجل الآن!


    إحتراما لخصوصيتك لا نضع أي معلومات على فايسبوك.