"البوليميك" يقزّم حضور الفن والإبداع بمواقع التواصل الاجتماعي

"البوليميك" يقزّم حضور الفن والإبداع بمواقع التواصل الاجتماعي

بدا واضحا شكل النقاشات التي أصبحت تهيمن على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تبدأ كقطرة سرعان ما تتحول خلال ساعات قليلة إلى طوفان من التعليقات المتشابكة، كل يدافع عن وجهة نظره بكل ثقة، ما يجعل الحقيقة تضيع بين تدوينات المعلقين المدعين عين الصواب والمنطق في النظر إلى الأشياء.

ولا أحد ينكر فضل مواقع التواصل الاجتماعي على العالم أجمع، وعلى بلدان العالم الثالث خاصة، من خلال فتح منفذ جديد للتعبير عن الآراء بكل حرية، إلا أنها تحولت، في العديد من المرات، من وسيط للانتقال من الواقعي إلى الافتراضي لأجل تغيير الواقع، وخاصة ما يتعلق بالقضايا الكبرى المشتركة كالتعليم والصحة والعيش الكريم، إلى فضاء مثخن بصراعات الواقع، تنتج عنه معسكرات للاصطفاف "الفكري"، إذا ما صحت كلمة الفكر، بالنظر إلى اختلاف المستوى التعليمي والثقافي للمعلقين.

متابعة قصيرة لمواقع التواصل الاجتماعي بالمغرب تكفي لملاحظة العديد من المواضيع التي شكلت مادة دسمة للتناول "الفيسبوكي" في ظرف وجيز؛ إذ يتم توجيه سهام الانتقادات المتبادلة بشكل سريع مع كل "Buzz"، وبالسرعة بنفسها تقريبا يتم تحويل النقاش إلى وجهة جديدة، سواء سياسية أو أخلاقية أو اجتماعية.

نقاشات "فيسبوك" ورغم أثرها البالغ في العديد من المواضيع التي شغلت الرأي العام الوطني أو الدولي إلى درجة أنها ساهمت في العدول عن العديد من القرارات الرسمية أو تغييرها، تجنبا للضغط الإعلامي الافتراضي مخافة أن ينفلت إلى الواقع ويتحول إلى وقفات احتجاجية، قد تكون بحجم عنف وتشدد التعبير نفسه عن الأفكار ومخالفة الآخر افتراضيا.

إلا أن توالي الأحداث وتسارعها غيّب، عن وعي أو عن غير وعي، حضور الفن والإبداع على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، في وقت تشتد فيه سجالات "فيسبوك"، وقليلا ما تنفلت نصوص شعرية أو روائية أو صور جمالية.

عزيز أزغاي، أديب ورسام، أوضح أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار معطى إحصائيا مهما للحديث عن هذا الموضوع، يتمثل في عدد الأشخاص الذين يكتبون، وهم قلة مقارنة بالذين لا يكتبون، بل فقط يعلقون على الأحداث إما بانفعال أو سخرية أو تهور أو بشكل ساذج؛ "فالمثقفون والمبدعون في كل المجتمعات هم نخبة قليلة، لكن هذا لا يمنع من استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لنشر الإبداع".

أستاذ التعليم العالي قال، خلال حديثه لهسبريس، إن الإبداع على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي "أدى، مع الأسف، إلى استسهال العملية الإبداعية. ففي الوقت الذي مضى، كان الكاتب أو الشاعر يمر من سراط طويل ليجد لأسمه مكانا في الساحة الفنية والإعلامية، أما اليوم فأصبح الكل يكتب ويسمي ما يفعله فنا، وهذه ضريبة التكنولوجيا التي يمكن أن تنضاف إلى إيجابياتها"، وأضاف أنه يجب استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لنشر الأدب والفن وتهذيب الذوق العام رغم أنه شيء يبدو صعبا لأن "الفضاء ليس مفتوحا فقط لأصحاب الذوق الإيجابي".

وحول مدى نجاعة نشر الفن والإبداع على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي للتخفيف من الاحتقان وتهذيب الذوق العام، تحفّظ أزغاي عن هذا الطرح؛ "فأحيانا يدوّن شخص للتنديد بموضوع معين أو بذوق هابط، وتجد بعض الناس دون وضع اعتباري في المجال الثقافي والفني هم أول من يرد عليه وبشراسة أحيانا، لكن كما قلت هذا شيء يبقى ضريبة للتكنولوجيا يجب اتخاذه بشكل نسبي مع الاستمرار في إبداء الرأي بشكل ايجابي داخل هذا الإسفاف والتهور الذي يؤثث هذا المجال المفتوح"، بتعبير المتحدث نفسه.

إلا أن وسائط التواصل الاجتماعي ليست منفصلة عن الواقع السياسي والاجتماعي الذي نعيشه الآن، وبالتالي لا يستقيم الحديث حولها دون النظر إلى السياق السياسي بالأخص، بحسب الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس الذي أضاف أن السياسة الوحيدة تقريبا التي تجد له متابعة واسعة على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي "يجب أن يكون فيها إبداع، لكن لحظة التنافس الآن هي لحظة تطبع الغريزة أو العنف، والسياسيون تسكنهم غريزة العنف أكثر من غريزة الإبداع".

كوكاس أضاف أنه لا يمكن أن ننظر اليوم إلى القضايا الثقافية بنظرة الأمس نفسها؛ "فسابقا كانت محورية المثقف؛ أي إن الفاعل الاقتصادي والاجتماعي والاقتصادي كان شخصا مثقفا بالأساس، وهذا ما انعكس على حضور الثقافة في الفضاء الواقعي قبل الافتراضي"، مفترضا، في الآن ذاته، أن يكون وقَعَ تغيير في مفهوم الإبداع وأخذ أشكالا أخرى لا تبدو للأجيال السابقة أنها إبداع، أو ربما الأمر يعود إلى فقر شمولي في ثقافة الإبداع، والذي يمس منظومة متكاملة تشمل التعليم والإعلام.

لكن ما يمكن تأكيده هو أن الإبداع يحضر بشكل محتشم اليوم في العالم الواقعي، والأمر مس الفضاء الافتراضي، يقول كوكاس، مفسرا: "ربما بسبب اللحظة السياسية وربما كما يقول فوكو إنه لم يعد للمثقف اليوم ما يعطيه للناس، فهم اليوم ينشئون بلاغاتهم الخاصة ولغتهم الخاصة بالشكل الذي يوافقهم".

شارك هذا المقال: