مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة .. خبير يضع النقاط على الحروف

مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة .. خبير يضع النقاط على الحروف

في خطابه الأخير الموجه إلى البرلمان، ذكّر الملك محمد السادس بضرورة تطبيق قواعد الحكامة الجيدة، وبمدى أهمية اعتماد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لإنجاح أي برنامج أو مشروع وطني.

واعتبر عزيز مولاي إدريس، باحث متخصص في أنظمة الشفافية والمساءلة ممارس في ميدان الرقابة المالية، أن هذا التوجيه الملكي الهام للفاعلين في الحياة العامة لا ينبغي تحليله بمعزل عما جاء في الخطاب ذاته من دعوة إلى التأسيس لعقد اجتماعي جديد وإصلاح عميق للقطاع العام وتغيير في العقليات التي تحكم تدبيره.

كما يأتي هذا الخطاب، حسب الباحث نفسه، في سياق ما فتئت ترتفع فيه الأصوات، خاصة بمناسبة نشر تقارير الهيئات الرقابية، مطالبة بإرجاع الهيبة للمال العام ومعاقبة المدبرين السيئين وإبعادهم من دوائر تدبير شؤون الدولة.

وأورد المتحدث، ضمن مقال توصلت به هسبريس حول موضوع "منظومة المساءلة في المغرب"، أن هذه المطالب، التي تجد لها صدىً واسعاً في شبكات التواصل الاجتماعي، غالباً ما تتخذ من فُصول الدستور ذات الصلة مرجعاً أساسياً.

وأضاف الباحث في هذا الصدد قائلاً: "إذا كان الطابع المؤسس للمبدأ الدستوري لربط المسؤولية بالمحاسبة يحظى بالإجماع لدى الأطراف المؤثثة لصنع القرار والمواطن العادي، تبقى هناك اختلافات في تمثله ومقاربات تفعيله على أرض الواقع"، وهو ما يستحق نقاشاً عمومياً مستعجلاً.

حول دسترة المبدأ

عزيز مولاي ادريس أشار في البداية إلى أن هناك أسبابا عديدة دفعت الدولة إلى اعتماد مبادئ الحكامة الرشيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة في دستور 2011، وتعي أنه حتى الديمقراطية العريقة تتعثر أحياناً في تحدي تنزيلها.

فمن جهة، أوضح الباحث أن روح دستور 2011 بهذا الشأن تصبو لجعل المساءلة إزاء تدبير الشأن العام تتجاوز مجرد الامتثال للقاعدة القانونية لتتعداه إلى مفهوم مُؤسس لاحترام النظام القانوني والديمقراطي المراد بناؤه.

فالدولة بذلك أعطت إشارة قوية على رغبتها في الانخراط في رؤية شعارها "من الحُكم إلى الحَوكمة" (From government to governance)، ومعلوم بالضرورة أنه لا شرعية كاملة للحكامة ما لم تكن محصنة بآليات مساءلة فعالة، وهذا ما جعل ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بصريح نص الدستور تحصيل حاصل.

ومن جهة ثانية، أثار الباحث الانتباه إلى أن هذا المبدأ، كما باقي القيم الديمقراطية، يَسهل الإعلان عنه ويصعب تحقيقه، قبل أن يُضيف قائلاً إن "إضفاء الطابع الدستوري عليه ليس كافياً، والعجز في تفعيله بشكل ملموس في مقتضيات مؤسسية فعالة قد يجعل دسترة المبدأ غير ذات جدوى".

وعلى العكس من المبادئ التي أكدها المشرع كأساس للنظام الدستوري للمملكة والتي ما تزال تحوم حول بعضها نقاشات نظرية، فإن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يُحيل، حسب الباحث، على مفاهيم عملية ومحددة، وتفعيله يتم من خلال آليات وميكانيزمات معروفة ومجربة دولياً على نطاق واسع، حيث لا يصعب حتى على المتتبع غير المتخصص تسجيل الفوارق والحياد عن الممارسات الفضلى وعن توصيات الهيئات والمنظمات الدولية في هذا الميدان.

ضرورة التناسق في تمثل المبدأ وفهمه

يُمكن تعريف منظومة المساءلة، حسب عزيز مولاي ادريس، بعبارات بسيطة، على أنها مجموعة الآليات المستخدمة لجعل الفاعلين في الحياة العامة يتبنون سلوكاً مسؤولاً ويُقدمون الحساب لمن يهمهم الأمر عن أعمالهم ونتائجها وآثارها. ويتوافق هذا التعريف والمفهوم الأنجلوساكسوني العام للمساءلة (accountability) الذي يُحيل على "العمليات والوسائل التي يقدم عبرها الأفراد والمؤسسات الحساب عن أفعالهم إلى كل سلطة قائمة معترف بها".

وقال الباحث المتخصص في مراقبة المالية العمومية: "لا يُمكن أن يكون هناك نقاش رصين حول قضية المساءلة طالما ارتكن كل طرف إلى تمثل خاص لها. ففي السياق المغربي، نلاحظ أن الاختلافات في فهم محددات وأبعاد المبدأ تثير تبايناً في الانتظارات والأولويات والاهتمامات، في حين إن الفهم المتناسق بين الجهات الفاعلة في القطاع العام وشركائها والمواطنين من شأنه تيسير التعبير عن متطلبات متوافق حولها في هذا الميدان وتسهيل الاستجابة لها".

وعبر الباحث عن اعتقاده أن التعريف بالمبدأ وتبسيطه وتقاسم مُحدداته ومقاصده، سيُمكن من تبديد الفكرة الشعبية/الشعبوية التي تلخص المساءلة فيما مفاده: "أداء المرفق العمومي ضعيف، إذن هناك سوء تدبير، وبالتالي هناك انحرافات وجرائم مالية"، فالمفهوم مركب ويتجلى تعقيده عند محاولة الإجابة على الإشكالات الرئيسية العملية التي يطرحها تفعيله من قبيل: من يقدم الحساب ولمن؟ ما ينبغي أن يكون موضوع مُساءلة؟ وما هي كيفياتها ومخرجاتها؟

الأطراف المتدخلة في مسلسل المساءلة

تمارس المساءلة من قبل أي سلطة شرعية قائمة قانوناً ومعترف بها ومُتمتعة بسلطة العقوبة (كيفما كان شكلها)، ويكشف تحليل موازين القوى ودرجات رسوخها في المغرب، حسب عزيز مولاي إدريس، أن أنماط المساءلة القائمة حالياً تترتب عن تقديم المسؤولين الحساب إلى السلطات الشرعية، أي الملك بصفته رئيساً للدولة، والبرلمان والهيئات الرقابية ووكالات التقنين والتنظيم الوطنية والدولية والمانحين الدوليين أحياناً.

وأوضح الباحث أن هذا النوع من تقديم الحساب الذي يتم من القاعدة إلى القمة (voie ascendante) يضمن ممارسة مُرضية إلى حد ما للرقابة السياسية والإدارية والقضائية، في حين إن تقديم الحساب التنازلي (voie descendante) يواجه صعوبات ومقاومات تجعل القرارات المتعلقة بالفعل العمومي بعيدةً عن مساحة التدخل المتاحة للمواطنين ولا تخضع لآليات المساءلة الراسخة في الديمقراطية التمثيلية.

وأبرز الباحث أن هذا الوضع يُكرس سبل المساءلة التقليدية الطويلة ومتصلبة المساطر على حساب السبل القصيرة والمباشرة والفعالة المعمول بها في الدول الحديثة. وكنتيجة لذلك، يمكن أن يؤدي العجز في التوازن بين نمطي المساءلة التصاعدية والتنازلية على المدى الطويل إلى عجز في كفاءة نظام المساءلة بأكمله.

اتساق منظومة المساءلة والتوافق حول موضوعها

أشار عزيز مولاي إدريس إلى أن جوهر ربط المسؤولية بالمحاسبة والغرض منها يُعد من القضايا الخلافية المحيطة بهذا المبدأ، وقال إن هناك قائمةً طويلةً لما يمكن أن يكون موضوعاً للمساءلة: الحكامة ومسلسل اتخاذ القرار والتدبير المالي وعدالة الفعل العمومي وشفافيته وكيفيات استخدام السلط المخولة والمسؤولية عن نتائج وأثر الفعل العمومي والمسؤولية عن تحقيق مهام الهيآت العمومية... إلخ

كما أن بوصلة المساءلة قد تُوجه نحو أسئلة المطابقة والمشروعية وترتيب العقوبة عن الإخلال بهما، كما يُمكن أن تركز استراتيجيات الرقابة على مناحي تقييم الأداء في التدبير وتصحيحه.

ويرى الباحث أن مساءلة المُدبر العمومي تظل مُعقدة لملامستها مختلف المجالات المشار إليها أعلاه (حسب موقع المُساءَل وأدواره ومسؤولياته الصريحة والضمنية) ولاختلاف توقعات وانتظارات الأطراف المعنية بأفعاله. وهذا الوضع يجعل من ضرورة التوافق حول أولويات منظومة المساءلة ككل، بالنظر لمنظومة النزاهة والشفافية بالقطاع العام، مدخلاً أساسياً.

تأهيل آليات المساءلة وتقديم الحساب

المقتضيات المؤسسية لربط المسؤولية بالمحاسبة مليئة بآليات المساءلة الإلزامية والطوعية، وبشكل عام، يُفرق الباحث في مقاله بين فئتين منها يكمل بعضهما البعض الآخر، وهي الوسائل (Outils) والصيرورات (Processus).

وفي السياق المغربي، ذكر الباحث أن من بين الآليات المستخدمة للمساءلة، نجد التواصل المؤسساتي التصاعدي ونشر المعلومات والنشر الدوري لتقارير الرقابة والتدقيق والتقييم. وعلى عكس الاعتقاد السائد، يُسجل نقص في استخدام الوسائل (outils) الملزمة قانونًا، ناهيك عما تتميز به الأعراف الإدارية من نقص في صيرورات المساءلة التي تميز القطاعات العامة العصرية في الدول المتقدمة، من قبيل التنظيم والتقنين الذاتي (autorégulations) والاعتمادات (accréditations) وتقديم الحساب التشاركي (reddition des comptes participative).

ويكاد يجزم عزيز مولاي إدريس أن مبادرات المسؤولين العموميين الذين يؤسسون للجيل الجديد من تقديم الحساب من أعلى إلى أسفل نادرة جداً. ولفت إلى أن التقدم التكنولوجي قد أتاح إمكانيات جديدة لتعزيز الشفافية والمساءلة عبر رقمنة المرفق العمومي، لكنه عبر عن أسفه لكون الحكومات المتعاقبة لم تستوعب ذلك، وأضاعت فرص الحوكمة الإلكترونية التي تسمح للمواطنين بالتفاعل مع المسؤولين الحكوميين بطريقة بسيطة وفعالة وغير مكلفة وتضمن فهم وتملك الفعل العمومي والمشاركة في إنجاحه والمساهمة في مراقبته وحتى المعاقبة الملائمة، عند الاقتضاء، على الاختلالات التي قد تشوبه.

التأسيس لمساءلة ذات تحفيز داخلي

في نظر الباحث، يجب على المسؤولين العموميين والمترافعين عن تقوية منظومة النزاهة العمومية أن يأخذوا بعين الاعتبار الحقيقة الراسخة بأن المساءلة تكون أكثر فعالية وإنتاجية عندما تنبع من المدبرين المسؤولين أنفسهم، سواء في إطار حكامة مؤسساتهم أو في إطار التنظيم والتقنين الذاتي أو القطاعي الوطني.

وأضاف صاحب المقال أنه ليس هناك ما يُبرر بأي حال من الأحوال إعطاء الأولوية في النقاش العام للتحفيز الخارجي على تقديم الحساب الذي يتجسد في تشجيع الامتثال للأحكام القانونية التي تحدد وسيلة أو مسطرة أو صيرورة تقديم الحساب.

وأشار عزيز إلى أن هذا التحفيز يُعزز الخضوع لمساءلة غير ذات مغزى عميق؛ إذ إنها مدفوعة فقط بالخوف من فقدان الوضع الإداري والمكانة الاجتماعية والسمعة والثقة أو الخوف من فضح الإنجازات الزائفة، وقال في هذا الصدد: "تكون المساءلة ذات مصداقية حين يكون حافز الخضوع لها داخلياً، أي عندما تفهم وتقتنع الإدارة بأن المساءلة أداة تطوير محتمل وقيمة تنظيمية ترفع الأداء وتساهم في تحقيق المهام والرؤى، وبالتالي، ما ينبغي المطالبة به أكثر ليس الاستجابة للحوافز الخارجية للمحاسبة والمساءلة، بل الدفع نحو ترسيخ إطارات الحكامة التي تعزز التنظيم والتقنين الذاتي والرقابة الداخلية".

ضرورة التكامل والتناسق والاستشراف

خلص الباحث المغربي في مقاله إلى أنه في غياب إطار مرجعي لمنظومة مساءلة تحظى بالإجماع، ليس أمام الدول من خيار سوى تصميم وبناء نماذجها الخاصة بناءً على التوصيات الدولية في مجالات الديمقراطية التمثيلية وسيادة القوانين ومكافحة الفساد والنزاهة العامة والحكم المنفتح (Open government).

كما يجب أن يكون السقف الأدنى لمساءلة المسؤولين العموميين، حسب كاتب المقال، "عبارة عن منظومة محاسبة منهجية مستندة إلى منظومات فرعية متماسكة ومتكاملة تهتم بشكل متوازن بالامتثال للقوانين والتبرير العقلاني للفعل العمومي وبضمان شفافيته وتُرسي قواعد وظائف عقابية فعالة، كما الحرص على أن تعمل هذه المنظومات في تكامل وتناسق لتفادي فشل منظومة المساءلة بأكملها في تحقيق أهدافها.

ومع تخلي الدولة عن النموذج الإداري البيروقراطي وثقافته، توقع الباحث المتخصص أن تترسخ في المستقبل أشكالٌ مختلفة من المساءلة مبتكرة وأكثر فعالية، معتبراً أن "هذا المسار إلزامي ومصيري لأن المدخل لكل نموذج تنموي قابل للتطبيق ومستدام، كما عبر عن ذلك جلالة الملك، هو حكامة تربط المسؤولية بمحاسبة فعالة".

وختم الكاتب مقاله بالقول إن "حكامة القرن الواحد والعشرين ستشمل بالتأكيد فاعلين غير منتخبين وليسوا موظفين ولا مسؤولين رسميين، وذلك بسبب تضاؤل حواجز التمييز بين القطاعين العام والخاص في المستقبل، مما سيوسع نطاق المساءلة ليشمل حكومات الظل وشركاء الهيئات العامة والأطراف الخارجية والجمعيات ومجموعات الضغط، ولم لا حتى المواطنين العاديين".

شارك هذا المقال: