الحمّامي: "كورونا" يُسعر الإيديولوجيات.. والجهل يخترق المجتمعات

الحمّامي: "كورونا" يُسعر الإيديولوجيات.. والجهل يخترق المجتمعات

قال نادر الحمّامي، أستاذ الحضارة بالجامعة التونسيّة، إن "كورونا مثّل، اليوم، متنفّسا لإيديولوجيّات أخرى تدخل في صراع متجدّد مع الإيديولوجيا المهيمنة، لعلّها تحرّك التاريخ الراكد حدّ التعفّن منذ بداية التسعينيات من القرن العشرين بالخصوص، وما تلاها من تهيئة الأرضيّة لكلّ الحركات العنصرية والشوفينيّة المتطرّفة شرقًا وغربًا".

وأضاف الحمّامي، في حوار مع هسبريس، أن "الأوبئة أصبحت معطى بيولوجيّا بفضل تقدّم العلم والمعرفة"، ثم مضى شارحاً: "المشكل الحقيقي أنّ المجتمعات العربيّة والإسلاميّة لم تصل بنيتها الذهنيّة إلى التخلّص من تلك النظرة السحريّة بحكم الجهل المتفشّي؛ وهو نتيجة للسياسات السياسيّة والثقافيّة والتعليميّة والاقتصاديّة".

وإليكم الحوار كاملاً:

تمرّ المجتمعات الإنسانية بلحظات تاريخيّة "فارقة" وهي تواجه جائحة "كورونا" الحديثة، التي جعلت البشرية أمام مفترق الطرق، نظرًا للأسئلة البحثيّة التي تطرحها على المختصّين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وهم يرقبون حدثا استثنائيا، فيه من اللاّمحلية ما يجعلنا معنيين. ما بوسع الفلسفة أن تفعله في خضمّ التغيرات المتسارعة التي يعرفها العالم؟.

ربّما علينا في البداية التنسيب من عبارة "مرور الإنسانيّة بلحظات تاريخيّة فارقة" في مواجهتها لجائحة كورونا، لأنّ الإنسانيّة في كلّ مرّة ومنذ قرون تعتبر الأحداث الكبرى لحظات فارقة، فتتصوّر لردح من الزمن أنّ العالم سيتغيّر جذريّا بعد حدث أو ظاهرة ما، في حين أنّ هذا ليس صحيحًا دائما، فما يغيّر وجه العالم جذريّا كان دائمًا صنيعة إنسانيّة، يكون فيها الإنسان فاعلاً لا مفعولاً به، وهذا لا ينطبق على الأوبئة الّتي وإن حرّكت الأفكار فإنّها لا تقلبها رأسا على عقب.

وعلى كلّ حال، لعلّ مثل ذلك الشعور بـ"اللحظات التاريخيّة الفارقة" اليوم ناتج عن تحوّلات أخرى مصاحبة، أهمّها أنّ كورونا يمثّل شكلا من أشكال عولمة الوباء، وهو ما لم تعرفه البشريّة من قبل لأنّها لم تعرف ما تعيشه اليوم من ثورة اتّصاليّة بالخصوص. على الرغم من ذلك فإنّ الفكر الإنساني عموما، والغربي على وجه أخصّ، عرف تحوّلات كبرى منذ نهاية القرن التاسع عشر، رافقت أحداثا بيولوجيّة من ضمنها اكتشاف الفيروسات. وأدّى ذلك من ضمن ما أدّى إليه إلى تكرّس مقولات كبرى تمسّ فلسفة الحياة والموت والأخلاق والحداثة والجسد والدين؛ لعلّ نيتشه كان علامتها الأبرز في ذلك الوقت.

ومثل تلك القضايا يُعاد طرحها اليوم فلسفيّا، أو هي تبدو كذلك، ولكن مع فروق جوهريّة أساسيّة وأهمّها على الإطلاق، في تقديري، أنّها أصبحت قضايا فلسفيّة المظهر ولكنّها واقعة، وقبل كلّ حساب، تحت سقف "الاقتصاد"؛ ذلك المجال الّذي أصبح سيّد العالم ومالكه، معوّضا "الإنسان" بالمعنى القيمي، إلى الحدّ الّذي يمكن القول معه إنّ العالم تخلّى عن كثير من الأفكار الفلسفيّة الكبرى الّتي كان لها أثر كبير منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، لتصبح المسألة الاقتصاديّة هي سيّدة الفكر الإنساني منذ بداية القرن الحالي.

قد يكون مثل هذا الرأي محبطا للكثيرين، ولكن استقراء الكثير من الآراء الصادرة عن مفكّرين لهم صيت عالميّ لم تخرج في النهاية عن مقولات "النجاعة" من ناحية والصراع حول التصوّرات الاقتصاديّة من ناحية أخرى. هذا الأمر يمكن تبيّنه بيُسر كبير إذا ما نظرنا مثلا في موقف مارسيل غوشيه الّذي لا يعدو أن تكون معارضته للحجر الصحّي على أساس تنافيه مع الحريّة والمسؤوليّة، واعتباره من التدابير السلطويّة المعارضة للديمقراطيّة إلاّ دفَاعًا عن السياسات النيوليبراليّة. وفي المقابل سنجد مثل آراء تشومسكي الّذي يرى كورونا خطوة في طريق نهاية الرأسماليّة، ليعتبر جيجيك أنّ الوباء المنتشر اليوم مناسبة للتبشير بعودة الشيوعيّة.

لم تتغيّر مخاوف الناس بشأن الأوبئة والكوارث الطبيعية عبر العصور، وهو ما يتبيّن في القلق الوجودي والخوف من المجهول الذي خيّم على المجتمعات البشرية طوال الفترة المنصرمة. يبدو أن المعالجة الإعلاميّة والسياسيّة والصحيّة للجائحة لم تنجح في رتْق الهشاشة النفسية للأفراد، وإصلاح الخلل الذي وقع على مستوى الشعور. أي دور يمكن أن تضطلع به الفلسفة في مداواة جراح الناس وهي التي كانت تُعرّف في القديم بأنها "طب روحاني"؟.

لعلّ مثل هذا السؤال في جوهره حمّال جزء كبير من الفكر الأنثروبولوجي البنيوي أساسا، ذلك الفكر الّذي يعتبر الإنسان هو الإنسان في كلّ مكان وزمان، وأنّ هواجسه لم تختلف، وأنّنا حلمنا كما حلم أسلافنا وبالطريقة نفسها على حدّ تعبير فرويد. هذا الأمر صحيح في جوانب منه ولكن لا ينبغي أخذه على إطلاقيّته، إذ لا يمكن في ظلّ ما شهدته الإنسانيّة من ثورات علميّة وتقنيّة وتكنولوجيّة أن تبقى المخاوف والهواجس ثابتة، ولا أن تبقى ردود الفعل والتصوّرات واحدة مهما بلغت أوجه التشابه، فتلك الثورات تؤثّر حتما في البنى الذهنيّة، وفي طبيعة العلاقات الاجتماعيّة.

المهمّ في كلّ ذلك وجود المخاوف والهواجس، ليبقى تقييم ما أسميتموها "المعالجة الإعلاميّة والسياسيّة والصحيّة لرتق هشاشة الأفراد النفسيّة" أمرا ضروريّا، وأحسب أنّها كما قلتم معالجة قاصرة، بل ربّما عمّقت الإحساس بالخوف والتوجّس والريبة، وهذا الأمر لا يمكن انتظار غيره، لأنّ الأجهزة الإعلاميّة والسياسيّة في معظمها تابعة في أغلب المجتمعات لسلطة اقتصاد السوق، وتعاطيها مع الأزمات خاضع للتوازنات الاقتصاديّة أوّلا وقبل كلّ شيء.

ويبدو أحيانًا أنّ الإعلام يقوم بدور توعويّ ويوجّه المواطنين نحو سلوك أكثر سلامة، ولكن التحليل المعمّق يؤكّد أنّه يخدم توجّها بعينه بعيد جدّا عن محاولة مجابهة الهشاشة النفسيّة، بل إنّه يؤدّي في كثير من الأحيان إلى تعميقها، وليست بعيدا عن ذلك الأجهزة السياسيّة. وعلى كلّ حال، لم تكن أدوار مثل هذه الأجهزة القيام بما ذكرتم أنّها فشلت فيه إلاّ في المستوى النظريّ الصرف.

بالنسبة إلى الفلسفة الآن ودورها، وقد أفاجئ المطّلع على هذا الحوار، فإنّ أغلب الآراء التي نقرأها ونسمعها اليوم اقتربت كثيرا من الأجهزة الأخرى وركبت ركبها، أو أنّها جعلت من الوباء مطيّة لتبرير أفكار مسبقة، بمعنى أنّ ما نقرأه لدى الكثير من المفكّرين والفلاسفة لا يعدو أن يكون في الحقيقة سوى آمال أصحاب المواقف ومحاولة للبرهنة على صوابها أكثر من كونها تفكيرا عميقًا. هذا ما يمكن الوقوف عليه من خلال أمثلة عديدة مثل الموقف من الصين ونظامها، إذ إنّ فلاسفة كثيرين وصلوا إلى "مديح النظام الصيني"، واعتبروا أنّ صرامته ومركزيّة السلطة أّدت إلى النجاعة في تطويق الأزمات، ولم ذلك يكن سوى مدخل لنقد الديمقراطيّة الليبراليّة.

خلّفت اللحظة الوبائية التي هزّت العالم كثيراً من النقاشات الفلسفيّة المثيرة للجدل في الأوساط البحثيّة، بفعل توسّع مجال انتشار "كورونا" الذي لم ينحصر في منطقة جغرافية معيّنة، لتتحرّك مختلف الأقلام الفلسفية التي طرحت مجموعة من التأملات المتجدّدة؛ نجد بينها ميشال أونفري الذي انتقد الاستهانة الأوروبية بالخطر الذي يمثله الفيروس، وجاك أتالي الذي تنبأ بما بعد "تسونامي الكارثة"، وإدغار موران الذي انتقد "قبح" الرأسمالية، وغيرهم. كيف ترى تداعيات الأزمة الحالية على الأجيال المقبلة؟.

في تقديري، إن كان لكورونا من إيجابيّة، في المستوى الفكري بطبيعة الحال، فهي زعزعة ما أصبح متداولا من الإقرار بمقولة "نهاية الإيديولوجيا"، إذ بقطع النظر عن مدى وجاهة الآراء الفكريّة والفلسفيّة الّتي جعلت كورونا مَحْمَلا للبرهنة على صحّتها، فإنّ ما هو واضح تمَامًا الآن أنّ النقاش بين التيّارات الكبرى عاد إلى السطح، وأنّ التبشير بـ"نهاية التاريخ" في شكل "الديمقراطيّة الليبراليّة"، كما نظّر لذلك فوكوياما، والّتي ظنّ الكثير أنّها مقولة نهائيّة لا خلاص للبشريّة إلاّ بها فتحوّلت إلى "عقيدة"، وتولّدت عنها مقولات "صراع الحضارات" في بعدها القصووي مع هنتغتون بالخصوص؛ كلّ ذلك فقد الكثير من صلاحيّته وَوُضع محل سؤال جدّي وعميق.

إنّ "نهاية الإيديولوجيا" التي أعلن عنها في أوروبّا بعد الحرب العالميّة الثانية، وتمّ التنظير لها في أوائل الستّينيات من القرن العشرين، تشير إلى مرحلة "ما بعد السياسة"؛ بمعنى أنّ السياسة تصبح مجرّد ممارسة بيروقراطيّة وتنظيميّة، وهاجسها الأوّل هو الاقتصاد مع رفع شعار "دولة الرفاه" الملحّفة بغطاء القيم النبيلة، مثل الحريّة والديمقراطيّة الّتي لم يؤمن الكثير ممّن نسمع يصدحون بها حقّا، بل استعملوها مطيّة لفرض أنموذج معياريّ عالميّ لا يتّخذ من العدالة والحريّة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان الكونيّة هدفا أسمى، بقدر ما يجعلها خادمة لأكثر المقولات عنصريّة من قبيل "صراع الحضارات".

لذلك مثّل كورونا اليوم متنفّسا لإيديولوجيّات أخرى تدخل في صراع متجدّد مع الإيديولوجيا المهيمنة لعلّها تحرّك التاريخ الراكد حدّ التعفّن منذ بداية التسعينيات من القرن العشرين بالخصوص، وما تلاها من تهيئة الأرضيّة لكلّ الحركات العنصرية والشوفينيّة المتطرّفة شرقًا وغربًا.

النقاش العامي حول الفيروس غلُب عليه كثير من الأسْطرة وقليل من العلم في المنطقة، بدعوى نظرية المؤامرة التي يتم التحجّج بها كلَّ حين. صحيح أن التداول الدّيني يحوّل الوباء إلى موضوع أخلاقي للتذكير بالأحداث الماضية والاستعداد لما هو مقبل، لكن الخطاب العلمي ينتقد القدسية التي يُضفيها فقهاء الدين على الوباء، من خلال جعله قدراً لا مفر منه. كيف تتحوّل الأوبئة من معطى بيولوجي صرف إلى واقعة ثيولوجيّة؟.

هذا النقاش الذي غلبت عليه الأسطرة والخرافة والمؤامرة إلى غير ذلك ليس بالضرورة مرتبطا بما قلتم إنه "النقاش العامّي"، إذ إنّ متابعة ردود الفعل والمواقف على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة تدلّ بشكل واضح على أنّ نسبة كبيرة، وأكبر ممّا نتوقّع، من المنساقين وراء كلّ أشكال الخرافة ونظريّات المؤامرة، هي ممّن ينتمون إلى فئات متعلّمة، وتصنّف من المثقّفين والجامعيّين الّذين ينشرون أخبارا ويصدّقونها، وهي أخبار لا علاقة لها لا بالعلم ولا بالمنطق.

مثل هذا الأمر يصبّ في إطار ذهنيّة كاملة تتّخذ أحيانا شكل الخرافة، وأحيانا أخرى شكل خطاب أخلاقويّ، وأحيانا يغلّف الخطاب بالمسألة الدينيّة عمومًا. وحين نقول ذلك فهذا لا يعني مطلقًا أنّ الأمر يتعلّق بالمجالات العربيّة والإسلاميّة، بل يتجاوزه إلى كلّ المجتمعات في العالم. علينا أن نستحضر هنا على سبيل المثال تصرّفات الرئيس الأمريكي وبعض المحيطين به في بداية انتشار وباء كورونا في الولايات المتّحدة، إذ شاهدنا فيديو يشبه إلى حدّ كبير ما يحصل أثناء "رقية شرعيّة". ورأينا كذلك برامج تلفزيّة في أوروبّا وأمريكا تطغى عليها الخرافة والشعبويّة. ربّما بحكم محيطنا الّذي نعيش فيه تبدو لنا مثل هذه المظاهر متواترة، وهي كذلك مقارنة بمجتمعات أخرى.

ينبغي ألاّ ننسى أنّ مثل هذه الرؤى هي رواسب قديمة في الفكر الديني بصورة عامّة أثناء معالجته لمشكلة الشرّ، ومن ضمنه الأمراض والأوبئة وغيرها، الّتي يعتبرها في كلّ الأحوال إلهيّة المصدر إمّا للعقاب أو الابتلاء أو الامتحان. إنّ المعادلة إذن مقلوبة شيئا ما، فالأوبئة في الأذهان قبل الحديثة ليست معطى بيولوجيّا، بل هو دينيّ، ككلّ ما يميّز النظرة السحريّة إلى العالم؛ بل أصبحت الأوبئة معطى بيولوجيّا بفضل تقدّم العلم والمعرفة. المشكل الحقيقي أنّ المجتمعات العربيّة والإسلاميّة لم تصل بنيتها الذهنيّة إلى التخلّص من تلك النظرة السحريّة بحكم الجهل المتفشّي؛ وهو نتيجة للسياسات السياسيّة والثقافيّة والتعليميّة والاقتصاديّة.

ميّز الفكر الحديث بين الطبيعة والثقافة، حيث صوّرهما على أنهما مفهومان متضادان، وتم فصل أحدهما عن الآخر، لكن الجائحة أزالت الحدود بين عنصريْ الثقافة والطبيعة، فأبرزت أن هناك اتصالاً وثيقاً بينهما، لاسيما أن الجائحة تضع العالم أمام منعطف جديد يتمحور حول البيئة. هل سيظهر إنسان جديد بعد "كورونا" من شأنه تغيير آليات تشخيص واقع الطبيعة في العالم؟.

القول إنّ الإنسان جزء من الطبيعة ينافي كلّيا ما حاولت العديد من الفلسفات دحضه منذ القرن السابع عشر، بتغيير مركزيّة الإنسان من مركزيّة فضائيّة إلى مركزيّة عقليّة، وكان ذلك نتيجة مهمّة وأساسيّة للحدث الكوبرنيكي. لا أعتقد أنّ الإنسان سيعود إلى ما قبل ذلك الحدث ليكون مرّة أخرى "جزءًا من الطبيعة" بعد أن أصبح سيّدها ومالكها، فالتاريخ لا يمضي إلى الوراء. ربّما سيغيّر الإنسان من وجوه علاقاته مع الطبيعة، ومن سلوكه، ولكنّه لن يتماهى مع بقيّة الكائنات.

الإنسان حافظ على بقائه لأنّه تكيّف بطريقة أو بأخرى مع كلّ الأزمات الّتي مرّ بها بقطع النظر عن حكمنا على طريقة ذلك التكيّف بالسلب أو الإيجاب. كثيرا ما كانت الأوبئة والمجاعات والحروب تجعل الكثيرين يعتقدون اعتقادا جازمًا بقرب الأبوكاليبس، ويشعرون بهشاشة الإنسان، غير أنّ ذلك ما يلبث أن يتمّ تناسيه تماما لتدخل الإنسانيّة دورة جديدة نحسبها في كلّ مرّة أفضل، ولكنّها تكرّر نفسها بشكل عنيد وغبيّ.

جعل الوباء من الموت فجيعة جماعيّة؛ أي تحول من شأن فردي إلى شأن عام، بعدما أكّد وحدة المصير الإنساني المشترك، مغلّبا بذلك "النحن" على "الأنا"، وذلك في ظل القرية الكوكبية التي نعيش عليها، إذ لم يفرق خطر الوباء بين أي مكوّن دينيّ أو ثقافيّ أو هوياتيّ. هل ستؤدي "مراجعات كورونا" إلى التقليل من خطاب العنصريّة في الفترة المقبلة؟.

الحقيقة أنّ هذا السؤال يحمل الكثير من التفاؤل، هذا قد يكون إيجابيّا في حدّ ذاته، لكنّه قد لا يطابق الواقع والمستقبل. من جهة أخرى الموت فاجعة جماعيّة بالنسبة إلى الأحياء لكنّه لم يكن كذلك بالنسبة إلى الأموات، الموت كان وسيبقى تجربة فرديّة. وإذا كان لفيروس كورونا أن يثبت شيئا اليوم فربّما يكون ضرورة مراجعة كلّ فلسفات التفاؤل الّتي تحمل في طيّاتها ضروبا من بقايا النظرة الدينيّة. أقصد هنا تلك الفلسفات المرتبطة بالعقد الاجتماعي الّتي تقرّ بخيريّة الإنسان في أصله.

ربّما ظاهريّا هذا الوباء يجعلنا نرى وحدة المصير الإنساني، ما قد يجعل المتفائلين يرون فيه طريقا لكسر التناحر، وإيمانا بالغيريّة والتعايش، وإدارة الظهر إلى كلّ أشكال الهويّات المغلقة والقاتلة، والسير في طريق الإنسانيّة، ولكن ما يعاين فعليّا في الواقع يؤكّد تنامي نزعات الانغلاق والأنانيّة وأشكال العنصريّة المقيتة.

إنّ تعامل المجتمعات مع المصابين بكورونا، والوصول إلى رفض دفنهم في مقابر مدنهم وأحيائهم، واتّهام الصين عبر وصم تقاليدها الغذائيّة مثلا، وتسمية الفيروس بأنّهم "الفيروس الصيني"، والارتياح النسبي في بلد ما إذا تمّت المقارنة بين انتشار الوباء في مدينة ما دون أخرى، والخوف من الانهيار الاقتصادي بالنظر إلى تأثير الوباء السلبي في ذلك المجال، كلّ ذلك وغيره مؤشّرات تدلّ على أنّنا نسير نحو عالم أكثر وحشيّة. ولكن هذا ليس مدعاة للانهزام بقدر ما هو وعي بالمسؤوليّة الملقاة على عاتقي المؤمنين حقّا بإنسان أفضل، وعالم أكثر عدالة وتضامنًا.

شارك هذا المقال:
  • لمناقشة آخر الأخبار مع أصدقائك و تتبع جرائدك المفضلة، سجل الآن!


    إحتراما لخصوصيتك لا نضع أي معلومات على فايسبوك.