فؤاد أحيدار .. سياسي مغربي يراهن على موقع حكومي في بلجيكا

فؤاد أحيدار .. سياسي مغربي يراهن على موقع حكومي في بلجيكا

تطور سياسي كبير بصم عليه المغربي فؤاد أحيدار في العاصمة البلجيكية بروكسيل، منتقلا من التعاطي مع مشاكل الناس بخبرة المساعد الاجتماعي إلى التعامل مع الإرهاصات عينها كرئيس للبرلمانيين الفلامانيين بالحاضرة ذاتها.

يؤمن أحيدار بانفتاح البشر على التطور ما داموا فاعلين في بيئة تلائم الأداء الذي يقدمونه لأنفسهم والغير، كما يبدي شعوره بالسعادة كلما أفلح في تقديم يد العون لمن يحتاجون الدعم لتجاوز المحن، ويأمل أن يفلح في تقديم المزيد من موقع حكومي قريبا.

من مالين إلى بروكسيل

حضر فؤاد أحيدار إلى الدنيا خريف سنة 1973 بمدينة "مالين" البلجيكية، القصية عن العاصمة بروكسيل بقرابة 30 كيلومترا فقط، منحدرا من أسرة مغربية متأصلة من منطقة الريف، من إقليم الحسيمة تحديدا.

انتقلت أسرة أحيدار إلى بروكسيل جالبة معها فؤاد في الـ7 من عمره، وجاء ذلك بعدما ارتأى أحيدار الأب أن هذا التحرك سيتيح لصغاره فضاء أرحب للتطور، وضبطا للغة الفرنسية، حتى يلاقوا المستقبل الزاهر الذي يبتغيه لهم.

يعلق فؤاد أحيدار عن هذه الخطوة باسما: "توجس أبي من عدم توفر فرص لنا في المنطقة الفلامانية، بينما الواقع مكنها لاحقا من حيازة قوة اقتصادية وسياسية، حتى أن أغلب البلجيكيين يتكلمون الفلامانية لا الفرنسية".

آثار "الحگرة"

استكمل أحيدار التمدرس ليصل إلى مرحلة تكوينية جعلته يعمل مساعدا اجتماعيا، وبعدها ولج تخصصا أطره في حقوق المهاجرين والتشريعات القانونية ذات الصلة بهذه الفئة، بينما استجمع خبرة ميدانية عبر التعامل المباشر مع مشاكل هذه الشريحة.

يقول ذو الأصل المغربي نفسه إنه خبر العنصرية في وقت مبكر من حياته، إذ كان قبلة لاعتداءات جسدية في الفضاء المدرسي والحي السكني الذي تقيم به أسرته، ولم يستطع إخبار والديه بما يتعرض له خوفا من معاقبته لتردده في الدفاع عن نفسه.

ويضيف أحيدار أنه كان هدفا لـ"الحگرة الأمنية" أيضا بفعل تحول بروكسيل إلى وجهة لمران عناصر الشرطة والدرك الجدد، إذ كانت تكثر دوريات التحقق من الهويات التي جابهها، في ربيعه الـ16، بحملة شارة "Déjà contrôlé" على الصدر، وأسفر ذلك عن توقيفه وضربه.

الطريق إلى السياسة

"قصتي مع المهانة والإيذاء وسمت مساري في وقت لاحق، إذ استوعبت الآثار الوخيمة لضعف التواصل الاجتماعي حين كتمت أمر تعنيفي مدرسيا عن أسرتي؛ وتيقنت من تقديري الخاطئ حين قصد أبي المؤسسة للدفاع عني بشراسة لم أرها من قبل في سلوكه"، يكشف فؤاد.

ويضيف المتحدث نفسه أن انطلاقته السياسية كانت في وقت ارتبط بالعمل في دار للشباب بحي "مولنبيك" في بروكسيل، ويسرد ما وقع بالقول: "زارنا الوزير المسؤول عن القطاع ليجمعنا نقاش، وحين دفع بتحكمه في الاختيارات لأنه يوفر مورد الاشتغال أخبرته، بحدّة شديدة، بكون العمل الميداني هو المتحكم في المصير السياسي وليس العكس".

يضحك أحيدار حين يردف: "بعد يومَين، طلب الجلوس معي ودعاني إلى التواجد في لائحته الانتخابية. وقد قررت خوض التجربة التي لم تكلل بالنجاح بسبب حاجتي إلى 200 صوت إضافي؛ لكني التحقت كمستشار بوزارة الثقافة والشباب في حكومة بروكسيل، وبقيت هناك 5 سنوات مساهما في تجويد العمل بأفكار ونصائح هادفة".

بين البرلمان والحكومة

خاض فؤاد أحيدار الانتخابات البرلمانية في العاصمة البلجيكية سنة 2004 ليكون من الناجحين هذه المرة، ثم أضحى يحقق الانتصار في كل محطة مماثلا، وبذلك حقق التطور من عضو برلماني فقط في بروكسيل إلى نائب رئيس البرلمان، ثم أضحى رئيس البرلمانيين الفلامانيين بالمؤسسة ذاتها.

وسيرا على "سياسة القرب" التي يلازمها منذ زمن، يحرص البرلماني نفسه على تخصيص يومين في الأسبوع لاستقبال الناس في مكتب خاص به، متعرفا على مشاكلهم رأسا لرأس، ومحاولا الوصول إلى حلول للصعوبات التي يلاقونها من خلال استحضار شبكة العلاقات التي نسجها بالعمل التمثيلي، مؤمنا بنجاعة هذا القرب بين الناخب والمنتخب.

"اقترابي من سن الخمسين وتخفيف مسؤولياتي الأسرية، لأن غالبية أبنائي صاروا مستقلين بأنفسهم، يجعلني أبتغي دخول الحكومة مستقبلا.. لا أظن أنني سأكتفي مستقبلا بالبذل في العمل البرلماني كما هو الوضع حاليا"، يكشف فؤاد أحيدار تطلعاته السياسية بلا تحفظ، ويزيد: "الوقوف بجوار الناس في تحسين أوضاعهم مصدر سعادتي، وأرى أن التموقع حكوميا قد حان وقته للانتقال إلى فضاء اتخاذ القرارات الحاسمة".

قرب من انشغالات الوطن

يحرص فؤاد أحيدار على الارتباط المستمر بالمغرب عموما ومنطقة الريف بشكل خاص، مبرزا أن من بين تمظهرات هذا الوصال المشاركة في تقريب وجهات النظر خلال "احتجاجات الحسيمة"، إذ لم يتردد في تلبية النداء للمشاركة في مبادرة لتحديد خارطة طريق حلحلة الملف؛ وقد احتضنتها مدينة طنجة.

"ذهبت إلى الحسيمة، مثلما ألفت منذ نعومة أظافري، لأجالس الشباب وأتعرف على المطالب بشكل مباشر ممن يعلنونها، وحاولت المساهمة في تقريب وجهات النظر لطي ملف المعتقلين في أقرب فرصة، وفق ما هو ممكن عمليا.. ولا أكتم سرا حين أقول إن هذه الخطوة حاولت مراعاة موقعي التمثيلي في بلجيكا، متجنبا التعابير التي قد يساء فهمها أو يتم تحويرها، وتراجعت عن خطوات تواصلية مع كل الفرقاء حين اكتشفت وجود نشطاء يستقرون في أوروبا ولا شغل لهم غير إبقاء التوتر"، يذكر البرلماني عينه.

ويرى أحيدار أن طي ملف احتجاجات الحسيمة يبقى اختصاصا للملك محمد السادس الذي حرص على إعادة تمكين عدد كبير من المعتقلين من الحرية، ممتعا إياهم بعفوه في مواعيد متتالية، ويضيف قائلا: "أعبر عن هذا بكل احترام للملك ووطني المغرب.. أملي أن يتم مسح أثر أحكام السجن القاسية التي تصل إلى 20 سنة نافذة، وأحمد الله على وجود الملك محمد السادس ضامنا لحسن سير المؤسسات".

سعي وراء الأرزاق

بسخرية، يذكر فؤاد أن "الإنسان ليس شجرة حكم عليها بالثبات مدى الحياة، بل مطالب بالبحث عن الرزق أينما كان، وإن كان ذلك متاحا بمكانه الأصلي فهذا أمر جيد، لكن طبيعة البقاء تفرض السعي وراء تحسين الأوضاع وفق المؤهلات التي يحوزها كل فرد".

ويضيف المسؤول في برلمان بروكسيل: "أعرف أناسا قضوا سنوات طويلة في الهجرة ولم يحققوا شيئا بينما مهاجرون آخرون عانقوا النجاح في فترة قصيرة، بل هناك من صار ميسورا في المغرب بعد محن مختلفة خبرها في بلجيكا.. ما على البشر سوى العمل في بيئة تلائمه".

يثمن أحيدار روح التضامن التي تجمع المغاربة، معتبرا أن هذا التعامل ينبغي أن يستمر بالوطن وخارجه على الدوام، ويشدد على أن الهجرة باب إضافي للفلاح يبقى مفتوحا لكل البشرية وينبغي أن يساير بتدابير قانونية تيسيرية؛ منها عقد اتفاقيات دولية تتيح للمغاربة قصد دول العالم لتلبية حاجياتهم الشخصية ودعم المغرب من هناك.

شارك هذا المقال: