أكاديمي إسباني: الأصولُ الأمازيغية لمواطني "جزُر الكناري" ثابتة

أكاديمي إسباني: الأصولُ الأمازيغية لمواطني "جزُر الكناري" ثابتة

أوسفالدو غِيرّا سانتشيث شاعرٌ وكاتبٌ وأستاذٌ جامعي إسباني من جزر الكناري. وُلد سنة 1966 في مدينة لاس بالماس بجزيرة كناريا الكبرى. حصل على الإجازة في الأدب الإسباني من جامعة لالاغونا بجزيرة تينيريفي.

وفي العام 1998، نال درجة الدكتوراه في الشعر الكناري من جامعة لاس بالماس، حيثُ يشتغل أستاذاً في اللغة والأدب منذ ثلاثة عقود. تولّى، في السنوات الأخيرة، منصب المدير العام لقطاع الثقافة والتراث التاريخي والمتاحف بمجلس جزيرة كناريا الكبرى. وفي 25 أكتوبر من العام الماضي، نال عضوية الأكاديمية الكنارية للغة؛ وهي أعلى مؤسسة رسمية ترعى اللغة والأدب في جزر الكناري.

يُعَدُّ من الأدباء الإسبانيين المدافعين عن التاريخ الأمازيغي للأرخبيل الكناري. زار المغرب في مناسباتٍ كثيرة، ودرّس مادة الأدب الكناري في كلية الآداب التابعة لجامعة ابن زهر بمدينة أكادير.

كما زار أيضاً العديد من دول المنطقة المغاربية والعربية، بالإضافة إلى تركيا وإيران. له مقالاتٌ كثيرة وكتبٌ في النقد الأدبي، وصدرت له مجموعةٌ من الدواوين الشعرية؛ من بينها: "في طريقِ العودةِ إلى البَيْت" (2000)، و"جبلُ تاورو" (2004)، و"حَفِيفٌ تَحْتَ الغُصْن" (2012)، و"موتُ أبو مِنْجَل" (2013)، و"إذا كانتِ الشجرةُ موجودة" (دفترٌ إيراني)" (2019)، و"الانقراضاتُ السبع" (2020).

وفي هذا الحوار الحصري الذي خصّ به هسبريس، يُحدِّثنا الشاعر الكناري أوسفالدو غِيرّا عن قصته وعلاقته مع الثقافة الأمازيغية وسرِّ دفاعه عنها وعن رحلاته إلى المغرب وبلاد تمازغا وإلى الشرق عموماً. كما يُحدِّثنا أيضاً عن مدى حضور ثيمة الهوية الأمازيغية في الأدب الكناري بين الأمس واليوم.

أنتَ من الشعراء الكناريين الذين يُدافعون عن الأصول الأمازيغية للشعب الكناري؛ كيف ومنذ متى وصلتَ إلى هذه القناعة؟

في بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، حين كنتُ طالباً في معهد بيريث غالدوس بمدينة لاس بالماس بجزيرة كناريا الكبرى، قمتُ أنا وسبعة أو ثمانية طلبة آخرين بتأسيس "مجموعة أصدقاء عالم السكان الأصليين" والتي كانت مهمّتها هي دراسة ونشر الموروث الثقافي للكناريين القدامى. قمنا بزياراتٍ إلى المقابر، ودخلنا في تواصلٍ مع المؤرِّخين والباحثين في علم الآثار، وزُرنا المتحف الكناري لنعرف تاريخنا.

وكان كتابُ "معالم اللغة الكنارية"، الذي أصدره دومينيك وولفيل عام 1965، من القراءات المفضَّلة لدينا داخل المتحف. كان هذا الأستاذ النمساوي، إلى غاية ذلك التاريخ، اللغويَّ الذي درس الأصول الإفريقية الشمالية للغتنا الكنارية دراسةً أكثر تأصيلاً وإسهاباً. وعلى الرغم من أنّ الكتاب لم يكن حينها مترجماً من اللغة الألمانية فإنّ ما كان يهمّنا فيه هو تلك الكلماتُ الكنارية المدروسة والتي لا شكّ في أنّ لها جذوراً أمازيغية. وما كان في سنواتِ شبابنا تلك محضَ شغفٍ تحوَّل مع مرور الوقت إلى يقين، وذلك حسب تقدُّم دراسات الباحثين في الموضوع.

لا أحد، حالياً، مهما كانت معلوماتُه محدودة، يُمكنه أنْ يُشكِّك في الكُنْهِ الأمازيغي للكناريين والكناريات الحاليين. إنّه مُكوِّنٌ من مكوِّنات المزيج المشكِّل لهويتنا؛ وهو ما يُؤكِّدُه علماءُ الآثار واللغويُّون والمؤرِّخون والأنثروبولوجيون وعلماء الوراثة والجينات، لا سيما علماءُ الجينات الذين حسموا الأمر وبشكلٍ قاطعٍ بعد الدراسات الصارمة التي أنجزَتْها روسا فريخيل هي وفريقها.

ما هو تقييمك لحضور موضوع الغوانش والهوية الأمازيغية في الأدب الكناري بين الماضي والحاضر؟

إنّهُ شيءٌ يصعب تلخيصه في كلماتٍ قليلة. مبدئيّاً، نستطيع القول بأنّ هذا الموضوع كان حاضراً دائماً في الأدب الكناري منذ بداياته وبشكلٍ متكرِّر إلى حدِّ الهوس حتى. وبطبيعة الحال، لقد مرّ هذا الحضور من أطوارٍ عديدة. كانت "المرثيّات الكنارية" خلال القرن الخامس عشر هي الأساس الثقافي والأدبي لشعبٍ كان بصدد التحوُّل في تلك اللحظة الدقيقة من التاريخ. يبدو شيئاً مدهشاّ أنه من خلال قصائد قصيرة جدّاً وعلى نحوٍ جدِّ مؤثِّرٍ ومأساوي قد تمّ تكثيفُ مفاتيح هويةٍ ثقافية بأكملها صمدت طيلة قرون: الحب والحنين للطبيعة والموطن، إحساسٌ بالاجتثاث من الجذور، حضور البحر... وبلغ هذا الطور ذِروته بفضل بارطولومي كايراسكو دي فيغِروا، وهو مَنشأُ أدبنا الحقيقي، والذي حدّد مسار ثقافتنا في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر واضعاً نصب عينيه أصوله التي تعود إلى الشعب الكناري القديم.

في القرن التاسع عشر، ظهر من جديد وبقوّة شعورُ المطالبة باسترداد الماضي الجزيري [نسبةً إلى الجزيرة]؛ لكنّ الزمن المنصرم منذ الغزو الإسباني للجزر جعل ملامح ذلك العصر تتلاشى. لقد منح كُتّابُ جزر الكناري الحياة للأبطال الغوانشيين في أعمالهم، وأبدعوا رواياتٍ وقصائدَ ملحميّة؛ من قبيل: "حُكمُ الربّ أو الملِكةُ إيكو" (1841) للأديب غراثيليانو أفونصو، و"آخِرُ الكناريين" (1858) للكاتب أغوستين ميّاريس طورِّيس، لكنّ النظرة في هذه الأعمال كانت تميل إلى المثالية. وفي سبعينيات القرن العشرين، إبّانَ ما اصطُلِح عليه "بووم الرواية الكنارية"، كانت هنالك أيضاً عودةٌ إلى آثار الجزُر خلال العصور القديمة؛ لكن، هذه المرّة، انطلاقاً من وجهةِ نظرٍ معاصرة ومن منظورٍ نقديٍّ أكثر من ذي قبل.

في العصر الحالي، تستلهم روايةُ المغامرات الكناريةُ الكثير من تاريخ السكّان الأصليين لجزر الكناري، اقتداءً بالروايات الموجّهة إلى القرّاء الشباب التي يكتبها الأديب كارلوس غِيِّيرمو دومينغيث (1925-2016) مثل: "أتاكايتي" (1985)، "سوسالا" (1987) و"بينكومو" (1992). ويُعَدُّ حالياً كارلوس غونثاليث صوصا واحداً من أكثر الكُتّاب شعبية في هذا النوع من الروايات، بفضل ثُلاثيّته عن الغزو الإسباني لجزر الكناري. ولذلك، فإنه بإمكاننا التأكيد على أنّ موضوع الكناريين القدامى هو من ثوابت الأدب الكناري.

إلى أيِّ حدٍّ، في نظرك، يُمكن اعتبار الكناريين الحاليين واعين بأهمية هويّتهم الغوانشية التي تربطهم ثقافياً وتاريخياً بشعوب شمال إفريقيا، لا سيما الأمازيغ منهم؟

من دون شكّ، المعارف التي نملكها اليوم عن تاريخنا وثقافتنا وتقاليدنا هي أكثر بكثيرٍ مما كان لدينا قبل بضعةِ عقود. وما عرفناه في العقود الثلاثة الأخيرة لوحدها يتجاوز بكثيرٍ ما كنّا نعلمه في كلِّ القرون السابقة. لحُسنِ الحظّ، فقد تمّ اليوم استبعاد تلك النظريات الوهمية التي كانت تُرجع أصول أسلافنا إلى الشعوب السلتية أو إلى الفايكينغ أو إلى مخلوقاتٍ من الأساطير الأطلنطية. ومع ذلك، ما زال أمامنا عملٌ جبّار، ليس فقط من البحث بل أيضاً على مستوى التعليم والتعميم الجاد والصارم. إنّ أسوأ شيءٍ، بالنسبة إلى تطوُّر مستقبلِ شعبٍ ما، هو الجهلُ بتاريخه وهويّته.

في هذا السياق، هل يُمكننا القول بأنّ كايراسكو دي فيغِروا، مؤسِّسُ الأدب الكناري في القرن السادس عشر، كان أمازيغياً لكونه ابن امرأة غوانشية (ورجلٍ ينحدر من أوروبا) ولأنّه كان يُقحم في أعماله عناصر من ثقافة السكان الكناريين الأصليين ويُضمِّن نصوصَه جُملاً من لغته الأم (الأمازيغية الغوانشية) كما هو الحال في كتابه "كوميديا الاستقبال" (1582)؟

إنّ بارطولومي كايراسكو دي فيغِروا (1538-1610)، كما قلتُ سابقاً، هو كاتبُنا الأوّل وأبُو الأدب الكناري؛ لكنّه كان من الكناريين الجدد، إنْ جاز التعبير. ماذا يعني ذلك؟ أي أنّه كان خليطاً بحيث إنّ أصوله، كما تفضّلتَ، هي أمازيغية لكنها أيضاً إيطالية برتغالية. إنّ شخصيته وأعماله يُمثِّلان "الكينونة الكنارية" التي تقوم على المزيج بين العنصر الإفريقي الجزيري وبين العنصر الأوروبي. ذلك ما تدلُّ عليه صلتُه الوطيدة بالثقافة الكنارية القديمة وحبّه لها وإعجابُه ومعرفتُه الكبيرة بالثقافة الإغريقية اللاتينية التي تربّى عليها.

يضمُّ ديوانُك "حَفِيفٌ تَحْتَ الغُصْن" (2012) نصوصاً تُحيل إلى الثقافة والهوية الأمازيغيتين. وقد كتبتَ بعضها في أكادير ونواحيها... كان هذا من نِتاج إقامتك بالمغرب، أليس كذلك؟ هل يُمكنك أنْ تُحدِّثنا قليلاً عن تلك التجربة؟ هل ألهمتك الزيارةُ باعتبارك شاعراً وكنارياً؟

نعم، لقد كتبتُ عدداً من قصائد هذا الكتاب خلال الفترة التي كنتُ أُدرِّس فيها بمدينة أكادير في ماستر "التبادل الثقافي: المغرب – جزر الكناري" المنظَّم من طرف كلية الآداب بجامعة ابن زهر ما بين 2008 و2010. كانت تجربةً مهمَّة جدّاً بالنسبة إليّ. لقد تعلّمتُ حينها الكثير عن الثقافة المغربية، أكثر مما أمكنني تعليمه عن الثقافة الكنارية. وكلُّ ذلك بفضل الأستاذين أحمد صابر وحسن بڭري والمجموعة الرائعة من اللغويِّين المسجَّلين في سلك الماستر.

لكنّني كنتُ قد زرتُ المغرب قبل ذلك في مناسباتٍ أُخرى، كانت إحداها في إطار مهمّةٍ كلّفتني بها الأكاديميةُ الكنارية للغة، ويتعلَّق الأمر تحديداً بجمع معلوماتٍ عن التشابهات اللغوية بين اللغة الكنارية وتمازيغت. لقد تعرّفتُ، حينها، على مثقّفين مهمِّين ونشطاء ثقافيين وفنانين وكُتّاب. وكنتُ قبلها قد قمتُ برحلةٍ ذاتِ طابعٍ شخصي، بحثاً عن الجذور الثقافية عبر كلِّ ربوع جبال الأطلس المغربية؛ وهو ما أثَّر كثيراً في كتاباتي. وعُدتُ لاحقاً في مرَّاتٍ أُخرى إلى المغرب، وهو البلد الذي أشعرُ بارتباطٍ وثيقٍ معه من الناحية الثقافية.

إنْ لم أكُنْ مخطِئاً، فقد أشرْتَ، لأوّل مرّةٍ وبشكلٍ صريح في كتاباتك، إلى الطابع الأمازيغي لجزر الكناري في ديوانك "جبلُ تاورو" (2004) حين بيَّنتَ في إحدى الإحالات أنّ اسم هذا الجبل الواقع في جزيرة كناريا الكبرى يعودُ أصله اللغوي إلى كلمة "تاوريرت" الأمازيغية التي تعني التلّ. هذا يُحيلنا على أسماءِ الأماكن الكنارية والتي يرجع أصلُ نصفها تقريباً إلى اللغة الأمازيغية (ما بين 40 % إلى 60 % من الأماكن بجزر الكناري لها أسماءٌ أمازيغية)... باعتبارك قد تقلدّتَ منصب المدير العام لقطاع الثقافة والتراث التاريخي والمتاحف في مجلس جزيرة كناريا الكبرى، هل يُمكنك أنْ تُخبرنا إلى أيِّ حدٍّ قد تمّ الحفاظُ على مثل هذه العناصر الموروثة وتثمينُها من أجل إبراز الهوية الأمازيغية للأرخبيل الكناري والتعريف بها على المستوى الرسمي؟

إنّ ديواني "جبلُ تاورو" هو، بالفعل، أوّلُ كتابٍ شعريٍّ يُدوِّن الأماكن الجغرافية بالجزيرة والتي لها رسوخٌ تاريخي وروحي بالنسبة إليّ. على الرغم من أنه نُشر في عام 2004 فإنّني كتبتُه قبل ذلك ببضع سنوات. جغرافيةُ كناريا الكبرى (وجغرافيةُ الجزُرِ الأخرى كلّها) مليئةٌ بالأماكن المقدّسة بالنسبة لثقافتنا القديمة. والمسارُ الرمزي الذي أقترحُه في الكتاب هو حجٌّ نحو الأعالي، نحو المنابع الروحية والتي جعلتُها ممثَّلةً في جبل تاورو، إذ إنّ في هذا الجبل لا يزال يحتمي صرحٌ كناري قديم يُسمّيه السكّان المحليّون اليوم "كنيسة الكناريين". إنه مكانٌ مقدَّس يعود إلى أزمنةٍ عريقةٍ كما هو الشأنُ أيضاً بالنسبة إلى جميع القمم الجبلية الموجودة في الجزيرة تقريباً.

هي إشارةٌ مقصودة إلى لفظة "تاوريرت" الأمازيغية (تعني التلّ وإذا كان أكبر فيُسمّى "أورير") وقد أخذتُها عن "القاموس الإسباني – البعمراني" لصاحبه إستيبان إبانييث (1954). على الرغم من أنّ اللفظ الذي قد اشتُقّت منه بالضبط ليس واضحاً فإنّ تأويلي هو كونُ تلك الكلمة أعطتنا لفظة أُخرى "Taurito"، وهو اسمُ منطقةٍ مجاورة لمرتفَع تاورو وهو شاطئٌ، على وجه التحديد. قد يكون اللفظُ المذكور نوعاً من الترميم الشعبي لكلمة "Taurito" نظراً لتشابهها مع اللغة الإسبانية، على شاكلة تصغيرٍ غير أصلي.

سنواتٍ بعد ذلك، وحين كنتُ أضطلعُ بمسؤولياتٍ عمومية في قطاع التراث التاريخي بمجلس كناريا الكبرى، قادتني معرفتي بالجزيرة، وبوعيٍ أكبر حينها، إلى دعم كلّ ما من شأنه أنْ يُساهم في نشر ثقافة أسلافنا. وقد انطلقتْ بعضُ المبادرات في ذلك الوقت، مثل سلسلة "جزيرة الكناريين" للمقالات حول التراث والتي صدر في إطارها إلى حدِّ الآن ثلاثةُ كتب. وفي المجال السمعي البصري، قُمنا بدعم الشريط الوثائقي "كنارياس أمازيغ"؛ وهو من إنتاج شركةٍ خاصة. كما أخرجْنا فيلماً وثائقياً بعنوان "أكسيس موندي، القِمَمُ المقدَّسة في كناريا الكبرى" بناءً على السيناريو الأدبي الذي كتبتُه شخصياً. وتجدرُ الإشارة إلى أنّ الإنتاج متعدِّد الحلقات الأكبر طُموحاً حول الثقافة الكنارية الذي تمّ إنجازه إلى حدودِ اليوم هي السلسلة التلفزيونية "أسرارُ جزُرِ الخالدات" التي أنتجها برنامج أمودُّو المغربي.

في سياق الحديث عن التراث الكناري القديم، أنت كنت عضواً في الوفد الممثِّل للحكومة الكنارية الذي دافع، في شهر يوليوز من العام الماضي، عن ملفِّ ترشيح المنظر الثقافي "ريسكو كايِّدو والجبال المقدّسة في كناريا الكبرى" من أجل إدراجه ضِمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي. لقد أتممتُم المهمّة بنجاح وتمّ إعلان المنظر تراثاً عالمياً للإنسانية؛ وكما جاء في تعليق القناة التلفزيونية الكنارية الرسمية حرفياً فإنّ "منظمة اليونسكو بهذا الإعلان قد اعترفت بالقيمة الكونية الاستثنائية لملفِّ الترشيح الكناري، وأبرزت التدرُّج الفريد لتطوّر الشعوب الأمازيغية لشمال إفريقيا والتي عاشت في العزلة طيلة 1500 سنة". ماذا تُمثِّل الموروثات التراثية كهذه بالنسبة إلى الكناريين الحاليين؟ وماذا كان يُمثِّل "ريسكو كايِّدو والجبال المقدّسة في كناريا الكبرى" بالنسبة إلى الكناريين القدامى؟

نعم، إنّها مرحلةٌ مهمّة بالنسبة لي وبالنسبة لكلِّ الكناريين والكناريات. لقد كان العملُ خلال تلك السنوات شاقّاً جدّاً. ونظراً لطبيعة اشتغالها، تفرِضُ منظّمةُ اليونسكو شروطاً صارمة جدّاً في ما يخصُّ منح مثل هذه الاعترافات. ومع ذلك، فالعملُ الدؤوب والمُتقَنُ الذي أنجزه فريقٌ كبير من التقنيين التابعين لمجلس كناريا الكبرى والدعمُ المقدَّم من طرف السياسيين في حينه، كلُّها أمورٌ قادتنا إلى نهايةٍ جيِّدة وحصلنا على الإعلان المذكور في العاصمة الأذربيجانية. بالإضافة إلى الجانب الإيجابي الذي ينطوي عليه هذا الإعلان والمتعلِّق بالمحافظة على المجال، فهو يكتسي أهميةً كبرى باعتباره اعترافاً بالروابط القائمة بين ثقافة أسلافنا وثقافة أسلاف بعض مناطق شمال إفريقيا، لا سيما المنطقة التي تقع أغلبيّتُها في المغرب حالياً.

وسوف يُمَكِّن هذا الحدثُ فئاتِ الشباب مِن فهمٍ مختلفٍ لثقافة أجداد الأشخاص الذين لا يزالون يسكنون في هذا المجال الترابي المذكور: فلاحون ورعاة وحرفيّون؛ كما سيُمَكِّنهم أيضاً مِن فهم كيف أنّ ثقافةً بقيت هنالك في تطوُّرٍ مستمرّ بالرغم من التغييرات الاجتماعية والسياسية التي طرأت على جزر الكناري منذ القرن الخامس عشر، طيلة 2000 عام على الأقل، لكنّها ظلّت في احترامٍ تامٍّ لجذورها. وعلى الرغم من أنّ العناصر الأثرية كانت مهمّةً في هذا الاعتراف، فإنّ المركز الحقيقي والأهمية الحقيقية يكمُنان في الأشخاص الذين يعيشون هناك، وفي حِرَفهم ومعتقداتهم والطريقة التي يرون بها المناظرَ الطبيعية والسماءَ التي يسكنون تحتها.

فلنعُدْ قليلاً إلى موضوع الأدب، إلى أعمالك الشعرية تحديداً. في عام 2013، صدر ديوانُك "موتُ أبو منجل" الذي استلهمتَه من سفرٍ آخرَ سنة 2009 قادك، هذه المرّة، إلى مدينة القاهرة حيثُ كتبتَ أو بلورتَ أغلب القصائد التي تضمّنها هذا الكتاب. هكذا، إذن، تكون قد قطعتَ بلاد تمازغا من أقصاها إلى أقصاها: من جزر الكناري إلى مصر مروراً بالمغرب. بالنسبة إلى شاعرٍ ينتمي إلى جزيرة، هل يُعتبَر أمراً في غاية الأهمية أنْ يرتاد آفاقاً أوسع من جزيرته وهو في طريقه إلى العالمية؟ وماذا يُمثِّل هذا الكتابُ وتلك الرحلةُ إلى مصر في مسارك الأدبي؟

لقد قُمتُ، خلال العشرين سنة الماضية، برحلات عديدة عبر بلاد تمازغا الواسعة، من الغرب إلى الشرق. وبحثتُ عن علاماتِ ثقافةِ أسلافنا المشتركة في مناطق بموريتانيا، في المغرب، في تونس وفي مصر، على الرغم من أنّني، في النهاية، لم أتمكّن من زيارة واحة سيوة. ولا تزال لديّ زيارةٌ معلَّقةٌ إلى الجزائر.

إنّ أكثر المسائل التي تُثير انتباهك حين تجوب المناطق التي يقطنها الأمازيغ هي أسماءُ الأماكن. يبدو ذلك مفاجئاً في البداية؛ لكنّك بعدها تفهم لماذا يوجد هناك الكثير من أسماء الأماكن التي تُشبه أسماء أمكنةٍ كنارية، لاسيما في المغرب بصفة خاصّة: تيلضي/Telde؛ تزارت/Tasarte؛ أڭادير/Gáldar؛ مازاغان/Marzagán؛ ألموڭّار/Almogaren؛ تڭانت/Tacande؛ تمرسيت/Tamaraceite... إلخ.

نُشر، في السنة الماضية، كتابُك الشعري "إذا كانتِ الشّجرةُ موجودة. (دفترٌ إيراني)" بعد رحلةٍ قُمتَ بها إلى إيران في العام 2015. يُلاحِظ القارئُ في هذا الديوان كثرةَ الإشاراتِ إلى الشعراء الصوفيين لبلاد فارس مثل: جلال الدين الرومي، حافظ الشيرازي، عمر الخيام وآخرين... هل وجدتَ، رُبَّما، في الشرق البابَ الحقيقي نحو العالمية أم لعلّها نزعةٌ من طرف الأنا الشاعرة إلى منبعها الروحي على غرار ما فعله قبلك شعراءٌ غربيون –حتى وإنْ لم يسافروا إلى فارس– أمثال: غوثه، لوركا أو حتى الشاعر المكسيكي المعاصر ماريو بوخوركيس في كتابه "ديوان موراريا"؟

كما قلتُ في جوابي السابق، الرحلاتُ الثقافية التي قُمتُ بها إلى شمال إفريقيا تجاوزتْ حدود القارّة الإفريقية في اتجاه الشرق دائماً. لا يجبُ أنْ ننسى أنّ الشرق يرمُز إلى كلِّ ما هو روحيّ، بينما يُمثِّل الغربُ كلَّ ما هو ماديّ. وعليه، فالأمر هنا يتعلّق ببحثٍ وبرحلةٍ تمهيدية. قبل استكشافي لإيران الفارسية، كانت بلادُ الأردن قد منحتني تجربةً مهمّة مع الثقافة العربية. وفي تركيا، من وجهةِ نظرٍ أُخرى، استطعتُ أنْ أُشاهد، في عين المكان، التعبيرَ الفنّيَّ للدراويش ودخلتُ في تواصلٍ (أدبيّ) مع الثقافة الصوفية.

لكنَّ تجوالي عبر مختلف المدن الإيرانية، وأنا متأثِّرٌ بقراءة الصوفيين الكلاسيكيين، كالرومي وحافظ الشيرازي وبصفة خاصّة السهروردي، مكّنني من اقتحام عالمٍ غير متوقَّعٍ تماماً. وكانت شخصيةُ الشاعر المعاصر سهراب سبهري أساسيةً من أجل فهم الروابط بين الأرض والأشياء الصغيرة والروح. إنّ كتابي "إذا كانتِ الشّجرةُ موجودة. (دفترٌ إيراني)" ليس فقط تجربةً للسفر إلى الشرق بل هو كذلك تجربةُ العودة إلى الغرب، أي الطريق العكسي.

بعد أنْ رأيتُ نفسي في مِرْآة تلك الثقافة الأُخرى، بعد أنْ تذكّرتُ "الأصل" رمزيّاً وعُدْتُ للقاء الطبيعة، وبعد أن اكتشفتُ مسلكاً شخصياً للحوار مع العالم، تحوَّل لديّ تجديدُ اللقاء مع الأرض الأصلية والرجوع إلى منزلي في ما وراء المغرب (كما عبّرتُ عن ذلك في إحدى قصائد الكتاب) إلى ضربٍ من العودة الشاملة على المستوى الروحي. لقد نَسِيَتْ ثقافتُنا، تلك التي نُسمِّيها بثقافة الغرب، رُكنيْنِ أساسيّين في تكوينها: الثقافة العربية من جهة، والثقافة الفارسية من جهة أخرى. لولا هاتان الثقافتان ما كُنّا لنوجد نحن.

في الختام، ماذا تقترحون من أجل التقريب بين جزر الكناري وبين المغرب (وباقي دول المنطقة)؟ هل تعتقد أنّ الثقافة بصفةٍ عامة والأدب بصفةٍ خاصة يُمْكنُهما تحقيقُ هذا التقارب بين هاتين الضِّفتين القريبتين جغرافياً والبعيدتين على عدّةِ مستوياتٍ أُخرى؟

إنّ الأرخبيل الكناري، باعتباره مجالاً جزيرياً يقعُ جغرافياً في شمال غرب إفريقيا ويرتبط سياسياً بأوروبا، يتوجّب عليه أنْ يُوجِّهَ نظرته نحو القارّة الإفريقية ويستعيدَ اتصالاته التي كانت تربطه دائماً مع هذه المنطقة القارِّية ويكونَ جسراً ليس مع أوروبا فقط؛ بل أيضاً مع القارّة الأمريكية التي تجمعنا بها صِلاتٌ وطيدةٌ جدّاً. ليس من المعقول أنْ تكون المواصلات بيننا، إلى زمنٍ ليس بالبعيد، مستعصيةً جدّاً، على الرغم من المسافة القصيرة التي تفصلنا. في أوّلِ مرّةٍ سافرتُ إلى المغرب، تأخّرتُ نصف يوم، بحيثُ كان عليَّ أنْ "أصعد" إلى مدريد ثمّ "أنزل" بعدها من جديد إلى الرباط. كان ذلك أمراً لا يقبله العقل. لحسن الحظّ، ومنذ بضعِ سنوات، بدأتْ شركةٌ كنارية للطيران في الربط بين عددٍ من مدن جزر الكناري والمغرب. لقد تغيّرتِ الظروفُ اليوم، وعلينا أنْ نستثمر ذلك ونستمرّ في توطيد العلاقات بين الشعوب. إنّ الحلّ يمُرُّ عبرَ تعزيز الروابط الثقافية وتكثيف التبادلات التجارية والتربوية، هذا هو الحلّ الوحيد في نظري.

شارك هذا المقال: