قضية سبائك الذهب الجزائرية تكشف تهافت خطاب دول الخليج اتجاه المغرب

سبائك ذهبية

الاعترافات التي أدلى بها الوزير الأول السابق أحمد أويحيى بشأن سبائك الذهب التي وزعها أمراء الخليج على المسؤولين الجزائريين هو مجرد الشجرة التي تخفي الغابة. فاستثمارات الأمراء في الجمهورية الجزائرية تجاوزت تلك التي تمت في المغرب في السنوات الأخيرة.

فجرت اعترافات الوزير الأول الجزائري السابق أحمد أويحيى أمام القضاء، يوم السبت 9 يناير، فضيحة في الجزائر. ففي غرفة مكتظة داخل محكمة الجزائر العاصمة، سأل القاضي الوزير الأول السابق من أين أتى بالأموال الموجودة في حساباته البنكية؟

تم الاستماع إلى أحمد أويحيى، الذي يقضي عقوبة بالسجن لمدة 8 سنوات، في إطار محاكمة جديدة، في المرحلة الاستئنافية، تتعلق بقضيتين: فضيحة صناعة السيارات في الجزائر والتي كلفت خزينة الدولة مليار أورو وقضية التمويل الخفي للحملة الانتخابية للولاية الخامسة المجهضة لعبد العزيز بوتفليقة.

"لقد تلقيت، مثل باقي المسؤولين، سبائك ذهبية من أمراء الخليج الذين يأتون إلى الجزائر للصيد. عرضتها على بنك الجزائر الذي رفض قبولها. ثم بعتها في السوق السوداء مقابل 350 مليون دينار (2.6 مليون دولار، ملاحظة المحرر)"، هذا ما أكده أحمد أويحيى عبر تقنية التناظر المرئي، من مكان احتجازه في سجن العبادلة.

وأوضح الوزير الاول السابق قائلا: "خلال فترات الصيد التي نظمتها الرئاسة (رئاسة عبد العزيز بوتفليقة، ملاحظة المحرر)، تلقيت هذه الهدايا مثل باقي المسؤولين (...) لقد حصلنا على أكثر من 60 سبيكة ذهب".

وقد أحدثت اعترافات أحمد أويحيى صدمة كبيرة في الجزائر وخارجها. الكل كان يعلم أن الفساد كان بنيويا في الجزائر، لكن لا أحد يستطيع أن يتخيل أنه حتى الصيد المحظور كان يتم تنظيمه على أعلى مستوى في الدولة مقابل الحصول على سبائك الذهب. علاوة على ذلك، فإن أحمد أويحيى ليس مجرد وزير أول سابق. بل هو رجل دولة شغل مناصب عدة لمدة 25 عاما خلال فترة حكم رئيسين اثنين (اليمين زروال وعبد العزيز بوتفليقة)، كوزير أول ورئيس ديوان رئاسة الجمهورية.

إذا كانت فضيحة الدولة التي كشف عنها أحمد أويحيى قد انشرت على نطاق واسع في وسائل الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي في الجزائر، فإن قلة من المراقبين اهتمت بالطرف الذي سلم سبائك الذهب لكبار المسؤولين الجزائريين، مدنيين وعسكريين. في الواقع، فإن قضية السبائك الذهبية هذه هي مجرد الشجرة التي تخفي الغابة. على عكس الدعاية الجزائرية الرسمية التي تروج لفكرة الدولة الجمهورية المعادية للأنظمة الملكية العربية، كانت الجزائر، في ظل فترة "حكم" بوتفليقة الطويلة، شريكا متميزا لدول الخليج.

تجدر الإشارة إلى أنه خلال منفاه الطويل، كان عبد العزيز بوتفليقة موضع ترحيب من قبل دول الخليج من 1979 إلى 1999. وبسبب هذه السنوات العشرين التي قضاها في الخليج، ظل بوتفليقة ممتنا تجاه الأمراء الذين استقبلوه واحتضنوه. شجعهم على الاستثمار بكثافة في الجزائر وفتح الأبواب أمام جميع القطاعات الاستراتيجية. النتيجة: تم استثمار عشرات المليارات من الدولارات من قبل ملكيات الخليج في هذه الجمهورية التي تدعو إلى الإطاحة بالملوك.

وهكذا استثمرت دول الخليج في الموانئ الرئيسية في الجزائر، في الاتصالات والوقود الأحفوري والتبغ والزراعة والسياحة والصناعة وحتى الصناعة العسكرية. وسمح هذا القطاع الأخير للجنرالات بإقامة علاقات وثيقة مع الأمراء والاستفادة أيضا من سخائهم.

المغرب، البلد القريب جدا من ملكيات الخليج، والذي كان دائما حاضرا عندما يتعلق الأمر بتشكيل جبهة مشتركة مع هذه الدول، سواء أثناء غزو الكويت من قبل العراق عام 1990 أو في الحرب الأخيرة ضد الحوثيين في اليمن أو التحالف الدبلوماسي ضد تهديدات إيران، لم يستفد من أموال الخليج مثل الجزائر. تتكاثر الكلمات المعسولة عن الأخوة والمصير المشترك، لكنها لا تترجم إلا قليلا إلى أفعال ملموسة.

بالإضافة إلى ذلك، حتى 5 مليارات دولار من التبرعات التي تم التعهد بها في اتفاقية وقعت في نونبر 2012 بين المغرب وأربع دول أعضاء في مجلس التعاون الخليجي (المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر والكويت)، لم يتم دفعها بالكامل. توقع قانون المالية التعديلي لعام 2020 تبرعات بأكثر من 1.8 مليار درهم، في حين لم تتجاوز المداخيل 121 مليون درهم.

مع ذلك، ليست الجزائر وحدها هي التي تمكن بها أمراء الخليج من إشباع تعطشهم لصيد الحبارى. يظهر المغرب تفهما لهذا النوع من الصيد والذي يبدو أنه يستجيب لحاجة ملحة للعديد من أعيان الخليج، الذين قضوا على هذا الطائر، سواء في شبه الجزيرة العربية أو في البلدان المجاورة مثل الأردن وسوريا والعراق. من جهته، فرض المغرب موسم صيد منظم للحبارى مع اشتراط الحفاظ على هذا النوع من البيئة الحيوية المغربية: حصرية صيد الصقور.

في الصحراء المغربية، يتمتع أمراء الخليج بحماية باسم أواصر الصداقة بين العائلات المالكة وتلاقي وجهات النظر حول المسائل ذات الاهتمام المشترك. بالإضافة إلى ذلك، لم يوزعوا قط سبائك الذهب على المسؤولين المغاربة.

لكن الصداقة ليست مجرد كلمات معسولة، بل تقاس أيضا بحجم الاستثمارات التي تتم في بلد ما. وعندما ترفع قضية سبائك الذهب الحجاب عن حجم الأموال الخليجية في الجزائر، فإن هذا لن يؤدي إلا إلى سوء فهم في المغرب.
شارك هذا المقال: