سعيد بنسلام .. مغربيّ استثمر في الفشل والعنف لإرشاد الآخرين بهولندا

سعيد بنسلام .. مغربيّ استثمر في الفشل والعنف لإرشاد الآخرين بهولندا

لم يكن اسم سعيد بنسلام، طيلة ما يناهز العقدين الأوّلين من عمره، إلاّ مرادفا لإثارة المشاكل بالفضاء الهولنديّ الذي وفد على العيش به من شمال المغرب.. لكنّ بنسلام، من خلال اليوم، أضحى مثالا للاستدلال على قدرة ذوي الأصول الأجنبيّة على التغيّر من أجل ذواتهم ومن أجل من يشاركونهم الحيز الجغرافي نفسه لحياتهم.

هجرة في السابعة

ولد سعيد بنسلام قبل 44 عاما من الحين بتطوان، وفي "مدينة الحمامة" شرع في التعرف على الدنيا ومراكمة المعارف الحياتيّة، لكن الأقدار كانت قد سطّرت له منحى مغايرا قبل إتمام السنة السابعة من عمره، إذ ارتأت أسرته اصطحابه ضمن تجربة هجرة نحو الديار الهولنديّة، وصوب العاصمة أمستردام على وجه التحديد.

"لقد كان أمرا جيدا بالنسبة لي وأنا أهاجر كي أعيش بمعية أسرتي في الأراضي المنخفضة، فذلك حقق لديّ انبهارا ببيئتي الحياتيّة الجديدة، لكنّ مكمن صعوبات كل تلك المرحلة ارتبط بعدم إتقاني لغة البلد"، يقول بنسلام قبل أن يواصل: "أخذت بعض الوقت في المدرسة كي أتمكّن من اللغة الهولنديّة، وقدم لي أساتذة عديدون مجهودا كبيرا من أجل تحقيق ذلك".

مراكمة الفشل

يقرّ سعيد بنسلام بأنّه فشل في تحقيق اندماج اجتماعيّ بالبيئة الهولنديّة خلال السنوات الأولى لوفوده عليها. فالطفل الذي غادر تطوان صوب أمستردام لم يكن ممّن تستغويهم فصول الدراسة حد المواظبة على التواجد ضمنها. ولا يجد سعيد حرجا في الإقرار بأنّه كان يستغل ثقة أسرته وانشغال والده بعمله كي يسوّق أكاذيب تغطي على تغيباته المدرسيّة.

"لم تسر الأمور على ما يرام، ولم أكن من اللامعين المنتظر منهم مستقبل لامع في مجالات محددة سلفا، ولذلك وجدتني، حين بلوغي الـ14 من عمري، موجّها كي أتعلّم أصول الميكانيك بمؤسسة متخصّصة في توفير التكوين المهنيّ للأشخاص الذين كانوا يعادلونني عمرا وقتها"، يفيد بنسلام.

ويواصل المتحدث ذاته عن فترة مراكمته للفشل بقوله: "لم يكن مجرى الأمور بفضاء التكوين الحرفي الذي التحقت به أفضل من سابقه، وما زلت أتذكّر أن هذه المؤسسة كانت كبيرة وتستوعب ما يناهز الألف من المتعلّمين، كما لا يمكنني أن أنسى أنّني عانيت من مشاكل مختلفة بها ورسبت عددا من المرّات. راكمت تغيّبات، وانخرطت في صدامات بدنيّة، ثمّ وُجّهت نحو مؤسسة أخرى لنيل تكوين مهني بديل، لكنّني آثرت الانقطاع عن التعلّم".

استثمار في العنف

حظي سعيد بنسلام بفرصة للاستثمار بإيجابيّة في ما رصد من ميله إلى سلوكات العنف وسط بيئته المجتمعيّة. وبخصوص ذلك يورد: "كنت محظوظا حين تأتّت لي فرصة التقاء مع مدرّب رياضيّ، كان وقتها بطلا عالميّا في رياضة الكيك بوكسينغ، وطلب مني الحرص على المران معه في النّادي".

عكس تعاطيه مع التعليم، حرص سعيد على مداومة الحضور إلى حصص المران البدنيّ الذي يتيح له إفراغ شحناته النفسيّة بمجريات التداريب، كما ظفر بنسلام بمنصب اشتغال ضمن فرقة للأمن الخاصّ تؤمّن خدماتها لزبائن من مشارب متنوّعة. وفيما استمر الهولنديّ المغربيّ في مراكمة المدارك في فنون الحرب حتّى إكماله ربيعه الـ25، مع البصم على بضع نزالات رياضية فقط، فإن عمله في المجال الأمنيّ تواصل لـ17 سنة.

طفرة اجتماعيّة

"كانت الذاكرة تعود بي إلى صغري حين أرصد أطفالا، غالبيتهم الساحقة من ذوي أصول أجنبيّة عن هولندا، يتواجدون ضمن مسارات حياتية غير سليمة تعمّها المشاكل التي تغيّبهم عن مقاعد الدراسة"، يقول بنسلام قبل أن يضيف: "مستني رغبة في الإقبال على العمل ضمن المجال الاجتماعيّ، فشرعت في ذلك منذ العام 2004 بتركيز على الشباب المغاربة".

أسس سعيد إطارا جمعويا تحت اسم "كَرَم" من أجل إيجاد حلول لمشاكل اندماج بصم عليها شباب من ذوي أصول مغربيّة، بدرجات متفاوتة الوقع السلبيّ، معتمدا على تجربته الحياتيّة ومرتكزا على رغبته في تمكين المتعاطى معهم من الفرص البديلة نفسها التي حظي بها حين كان فاعلا مجتمعيا سلبيا.

"أخذنا نتحرك وسط الشارع لرصد أولئك الذي يبقون به حتى أوقات متأخرة، بعدها دخلنا مع المستهدفين في حوار لجعلهم يتقبلون مسعى الإنقاذ الموجه إليهم، ثم قمنا بإنشاء مشروع لخدمات الأمن الخاصّ من أجل تكوين الشبان وتشغيلهم، وهذه الخطوة نالت سند مدبري الشأن العام بالنظر إلى النتائج الإيجابية التي حققتها"، يقول بنسلام.

تعليقا على هذا الأداء يواصل سعيد: "المشروع ساهم في إنقاذ ما يعادل 180 شابا من الضياع حتّى الآن، ومنهم من يشتغل الآن في جهاز الشرطة أو شركات النقل العموميّ، وآخرون استقروا اجتماعيّا وأسسوا أسرا ولديهم أطفال يرعون حاجياتهم، بينما الأداء الجمعويّ عينه يضمّ شقا آخر يهمّ إرسال تجهيزات شبه طبيّة، خاصّة تلك التي تسهل حياة ذوي الاحتياجات الخاصّة، من أمستردام إلى المغرب".

سعادة وتنميط

يعلن سعيد بنسلام نفسه سعيدا حقّا حين توجيه سؤال إليه بخصوص الأحاسيس التي يخلفها لديه الاشتغال في المجال الاجتماعي منذ 12 عاما ونيف من الحين، ويعود إلى بدايات شبابه والتأطير الذي ناله وقتها من أجل الاستثمار في ميله إلى العنف كي يقول: "كل شاب لديه موهبة غير معلنة تستوجب نيل المساعدة والتوجيه كي تساعده على العودة إلى المسار السليم، وكذلك كان شأني حين استجمعت تأطير ناد رياضيّ من أجل الاستفادة من ميلي إلى العراك مع الآخرين".

"التعاطي الذي أقوم به مع الشباب، بمعية الفريق الذي يواكبني في ذلك من داخل المؤسسة التي أنشأتها، لا يعتبر الأمر مقترنا بتوقيت بقدر ما هو انشغال على مدار الأيام والأسابيع؛ ذلك أن كل لقاء مع الناس هو موعد للبصم على أداء جيّد، وكل تواصل يستوجب كسب الثقة، ومواجهة أيّ إشكالية تستدعي التركيز إلى غاية التأسيس للحلول التي تستوجبها"، يضيف الهولندي المغربيّ عينه.

وبخصوص الشباب الراغبين في البصم على خيارات هجرة بحثا عن تجويد حياتهم، يرى بنسلام، انطلاقا من خبرته المعاشة، أن الأمر متاح ما دام مرتبطا ببرنامج مسطّر بعيدا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة التي تقرن التواجد في أوروبا بالأموال والرفاهية دون عناء، "سبق لي أن لاقيت شبابا مغاربة راغبين في القدوم إلى أوروبا بأي طريقة كانت من أجل تحسين أوضاعهم، وأحاول إثارة انتباه هؤلاء إلى أن التمدرس هو مفتاح للفلاح، وأن الإرادة والعزيمة وتقبل إمكانيات تعديل المسار بالانضباط لقوانين المجتمع تبقى من ضروريات تحقيق الذوات أينما تموقعت جغرافيا".

شارك هذا المقال:
  • لمناقشة آخر الأخبار مع أصدقائك و تتبع جرائدك المفضلة، سجل الآن!


    إحتراما لخصوصيتك لا نضع أي معلومات على فايسبوك.