"الحْلِيبِيَة" .. آلاف المغاربَة وسط مستنقعات ونفايات بالدار البيضاء

"الحْلِيبِيَة" .. آلاف المغاربَة وسط مستنقعات ونفايات بالدار البيضاء

لم يسبق لمعظم سكان دوار "الحْلِيبِيَة" أن ناقشوا فيما بينهم موضوع "نفايات إيطاليا" أو حتى اهتموا بهذه "الإشكالية" التي تشغل الرأي العام المغربي هذه الأيام، في ظل انشغالهم اليومي بتقليب نفايات واحد من أكبر المطارح العشوائية في المغرب، بحثا عن مواد قابلة للتدوير لبيعها لتجار متخصصين يأتون يوميا إلى عين المكان.

"عصير" الأزبال

ففي ظل التراشق الكلامي المتبادل بين منتقدي ومناصري حكيمة الحيطي، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالبيئة، بسبب الترخيص لاستيراد 2500 طن من النفايات التي تحرق في أفران خاصة لاستعمالها كوقود حيوي، يواصل شباب دوار "الحْلِيبِيَة" ونساؤه عملهم اليومي وسط النفايات المنزلية والطبية والصناعية في غياب مصالح المراقبة التابعة للوزيرة الحيطي، على الرغم من انتشار بحيرات من "عصير الأزبال" على بعد أقل من 400 متر من مقر سكن هذا الحي العشوائي.

اعتاد سكان "الحْلِيبِيَة مشاهدة شاحنات النظافة تنجز يوميا ما يزيد عن 120 رحلة صوب مطرح مديونة الذي يستقبل النفايات على مساحة 20 هكتارا، من أصل 70 هكتارا التي كانت في السابق عبارة عن مقالع للأحجار قبل أن يشرع في استغلالها مطرحا عشوائيا سنة 1986.

في دوار "الحْلِيبِيَة"، الذي يقع جنوب العاصمة الاقتصادية على مسافة 55 دقيقة على متن السيارة من وسط مدينة الدار البيضاء في غياب وسائل للنقل الحضري تربطه بالعالم الخارجي باستثناء "الخطافة" الذين لا تتوانى السلطة المحلية في محاربتهم دون توفير بديل، يقول السكان إنهم يعانون التهميش الكلي والتجاهل التام من طرف المسؤولين.

أمراض متفشية

سكان هذا الدوار يعانون من انبعاث روائح كريهة من الأرض التي أقاموا عليها بيوتهم الصفيحية إلى جانب استعمالهم لمياه الآبار في تنظيف ملابسهم والاغتسال بها رغم تلوثها، وهو ما يفسر انتشار الأمراض التنفسية وسط الأطفال على الخصوص إلى جانب أمراض الطفح الجلدي وأمراض العيون، في ظل غياب المستوصف الذي حولت مصالح عمالة مديونة بنايته إلى مقر لأحد المشاريع المجمدة التابعة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

البؤس سيد المكان في "الحْلِيبِيَة"، يرخي بظلاله على الجميع، شبابا وشيوخا، رجالا ونساء. وعلى الرغم من ذلك، فإن "مي حليمة"، بائعة المواد البلاستيكية والكارتونية القابلة للتدوير، تحاول من خلال ابتسامتها أن تعطي انطباعا عن أنها لم تفقد الأمل بعد في الحياة.

"مي حليمة"، التي لا تتناول اللحم أو الدجاج إلا مرة واحدة في الأسبوع وبكميات قليلة لا يتعدى مقابلها المادي 5 إلى 10 دراهم، اضطرت إلى العمل في مطرح مديونة بعد وفاة زوجها قبل 14 سنة والعيش في هذه المنطقة الملوثة وسط الأزبال والمياه الآسنة و"عصير" النفايات.

تقول هذه السيدة في تصريحها لهسبريس: "نعاني من الروائح الكريهة الآتية من المزبلة، وهناك العديد من الأمراض المتفشية وسط أطفال المنطقة وحتى الكبار"، وهو ما يؤكده أيضا جل سكان دوار "الحْلِيبِيَة"، البالغ عددهم 3000 نسمة، والذين يسكنون في 700 براكة. كما أكد ذلك أعوان السلطة الثلاثة الذين أرسلهم قائد المنطقة لتتبع أثر فريق هسبريس طيلة الساعات التي قضاها وسط أهالي المنطقة.

مراكمة الوعود

لا يثق سكان هذه المنطقة كثيرا في الوعود الصادرة عن المسؤولين، ومن ضمنها الوعود التي قطعتها الحيطي على نفسها قبل سنتين وبالضبط في شهر أبريل من سنة 2014؛ حيث كانت قد أعلنت أن الحكومة ستطلق بداية سنة 2015 برنامجا لإعادة إدماج 1000 شخص ممن يعشيون من نفايات مطرح مديونة بالدار البيضاء، بالتوازي مع الشروع في العمل بالوحدة الصناعية لفرز ومعالجة النفايات بالعاصمة الاقتصادية شهر يناير القادم.

إدريس الزبدي الذي قضى في هذا الدوار 30 سنة، يقول إن لا أحد يهتم لحال سكان المنطقة، ويؤكد أن كل المرشحين الذين تعاقبوا على هذه المنطقة يطلقون وعودا بتشغيل أبنائهم وتحسين وضعية ومحيط عيشهم، لكن هذه الوعود لا تجد طريقها إلى أرض الواقع، وفق تعبير هذا العجوز، الذي يضيف: "وغير كيفوت التصويت، الله يعاون العاونات.. ما تلاش يعرفك".

شباب ضائع

يقول الزبدي: "أولادنا كيمشيوا باش يخدمو فالزبالة ديال مديونة باش يجيبو 30 أو 50 درهما في اليوم"، وهو ما يؤكده عبد الرحيم باعيسى، المنحدر من مدينة بني ملال والمقيم في كوخ قصديري، الذي يقول: "الجميع هنا يعيش من مطرح النفايات لمديونة، وقد يتراوح مدخولهم ما بين 70 و120 درهما في أفضل الحالات".

ويعود الزبدي ليقول بمرارة في تصريحه لهسبريس: "حنا ضايعين في هاد لحليبية.. البقر كتشرب من مياه الصرف الصحي، حتى أولادنا تا هوما ضايعين"، ويضيف: "بمجرد ما تدخل لأي بيت من هذه البيوت الصفيحية الأكيد أنك ستقول: باز لهاد الناس كيف عايشين، شي فوق شي... راه ما كاين واااالو أولدي".

وختم الزبدي تصريحه لهسبريس بالقول: "أمتلك محلا لبيع الخضر والفواكه..أسترزق منه. وفي كل مرة يأتي أعوان السلطة ويهدمونه لي ويتلفون بضاعتي..لكنني لا أستسلم..بل أعود لبناء الكوخ من جديد لمباشرة نشاط البيع من جديد..الدرويش محكور! عندك لفلوس دوز..ماعندكش اجلس فبلاصتك".

شارك هذا المقال:
  • لمناقشة آخر الأخبار مع أصدقائك و تتبع جرائدك المفضلة، سجل الآن!


    إحتراما لخصوصيتك لا نضع أي معلومات على فايسبوك.