الاختلاف حول اليوم الأول من رمضان يثير استياء مغاربة إيطاليا

الاختلاف حول اليوم الأول من رمضان يثير استياء مغاربة إيطاليا

عاشت إيطاليا عشية بداية شهر رمضان فوضى عارمة وسط المسلمين بهذا البلد الأوروبي نتيجة تبني إحدى أكبر الهيئات الإسلامية للحساب الفلكي في رؤية الهلال وإعلانها في رجب عن تاريخ بداية رمضان، سيرا على منوال بعض الدول الإسلامية بأوروبا، وعلى رأسها تركيا وألبانيا، أمام رفض غالبية المسلمين بإيطاليا، خاصة المغاربة، وإصرارهم على انتظار قرار الدول الإسلامية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

وبالرغم من الاستنفار الكبير الذي أعلن عنه "اتحاد الجاليات الإسلامية بإيطاليا"، المعروف اختصارا بـ "UCOII"، بواسطة جمعية الأئمة والمرشدين المنضوية تحت لوائه التي أعلنت أن بداية رمضان لهذه السنة سيوافق يوم 16 ماي الجاري، وتوجيه أوامره الصارمة إلى المراكز والجمعيات التابعة له، التي تقدر بحوالي 200 مركز والتي قام بشرائها بفضل التمويل الخليجي البالغ حوالي 25 مليون يورو خلال السنوات الثلاث الأخيرة، (وجّه أوامره) بالشروع في إحياء ليالي رمضان ابتداء من عشاء يوم الثلاثاء، إلا أن المصليات والمساجد بقيت شبه فارغة أثناء ما كان يفترض أنها اول ليلة من رمضان بعد إعلان جل الدول الإسلامية عن استيفاء شعبان للثلاثين، وأن رمضان لن يبدأ إلا يوم 17 ماي.

ودفاعا عن قرار هيئته، خرج رئيس المركز الإسلامي بميلانو، وهو أحد أقدم المراكز بإيطاليا، ببيان "إنذار للناس" يحذرهم من الإفطار يوم الأربعاء، ومن أن "صيام الدهر كله" لن يغفر لهم خروجهم عن "الجهة الشرعية التي تمثلهم"، ليثير بذلك استياءا كبيرا على وسائل التواصل الإجتماعي بين مسلمي إيطاليا، خاصة بعدما نصّب المسؤول ذاته نفسه "هيئة شرعية" تمثل المسلمين بإيطاليا، في حين إن مسجده لا يمكن أن يتسع لأكثر من 70 مصليا، وما أسماها بـ"الهيئة الشرعية" لم يتبقّ من أعضائها إلا هو شخصيا منذ ما يزيد عن 30 سنة بعدما انفض من حوله كل الذين كانوا معه.

ويعتبر المغاربة الذين يشكلون حوالي الثلث من عدد مسلمي إيطاليا الأكثر معارضة لقرار اعتماد الحسابات الفلكية في تحديد رؤية هلال رمضان؛ إذ ترفض جل المساجد التي يشرف على تسييرها مغاربة قرارات "أوكوي" وترى فيها "شقا لصفوف المسلمين"، مرغمة بذلك في المناطق التي يشكل فيها المغاربة غالبية المسلمين، كمدينة طورينو وكل مناطق الجنوب الإيطالي، على إعلان الخميس كأول يوم في رمضان. ولا يمتثل لقرارات "أوكوي" من بين المغاربة إلا أنصار حزب العدالة والتنمية الذين يشرفون على تسيير بعض المراكز التي اشترتها هذه الهيئة بالأموال القطرية بنواحي مدينة بريشا وفيرونا.

الشيخ العمراني، الذي يعتبر عميد الأئمة المغاربة بإيطاليا وأحد أشد المعارضين لاعتماد الحساب الفلكي في رؤية هلال رمضان، رأى في ما يقوم به "أوكوي" بحثا عن الزعامة والقيادة، مذكرا في ذلك بـ "التوحيد" الذي كان عليه المسلمون بإيطاليا باتباعهم لرؤية "الحرم" الذي يعد قبلة للمسلمين، قبل أن تخرج هذه الآراء الشاذة التي اتهم أصحابها بـ "ممارسة السياسة" و"تعلم الإسلام في إيطاليا" لتفرق بين المسلمين، متسائلا: "لماذا لا يدعو أصحاب هذا الرأي مثلا إلى اعتماد هذه الحسابات حتى في الحج ويدعون الناس إلى الحج وفقها؟"، بحسب تعبيره.

وكانت بعض الهيئات الإسلامية الأخرى بإيطاليا قد دعت "أوكوي" في السنوات الماضية إلى الحوار للخروج من هذه المعضلة التي أصبحت تتفاقم سنة بعد أخرى، وفي السنة الماضية شكلت لجنة تضم معظم هذه الهيئات إلا أنها "ولدت ميتة"، بحسب ما صرح به مولاي اسماعيل حسان العلوي، إمام مغربي أحد أعضاء اللجنة، بعدما حاول أصحاب دعوة الحساب الفلكي، اعتمادا على قرار مجلس الإفتاء الأوروبي، إضفاء "الشرعية" على قرارها وعدم التنازل عنه حتى بعدما طرح البعض حلا وسطا بتشكيل هيئة خاصة تشرف على مراقبة الهلال فوق التراب الإيطالي بمساعدة المراكز الفلكية المحلية.

هذا الحل يرى إسماعيل حسان أنه "الحل الأنسب الذي يبقى الأقرب إلى أرض الواقع"، بتعبيره في تصريح خص به هسبريس، مضيفا أنه الحل الذي ستعمل هيئته، المؤتمر الإسلامي الأوروبي للأئمة والدعاة بإيطاليا، على المضي قدما لتحقيقه خلال السنوات القادمة على صعيد كامل إيطاليا، بعدما انضمت مؤخرا إلى بعض المبادرات المحلية ببعض المدن.

وعكس باقي الهيئات الإسلامية التي تتشدد لرأي ضد آخر، تنفرد هيئة "المشاركة والإحسان الإسلامية"، المعروفة بـ "PSM"، القريبة من جماعة العدل والإحسان المغربية، بموقف "معتدل" تدعو من خلاله إلى "الحرص على توحيد صفوف المسلمين"، بحسب تعبير عبد الله لبديدي، الأمين العام للهيئة، في تصريح خص به هسبريس، موضحا أن الوضعية الحالية للمسلمين في إيطاليا لا تسمح بخلق مزيد من التفرقة بين مكوناتها.

وقال لبديدي إن هيئته لا ترى مانعا من "التنازل عما هو راجح لديها" مقابل الحفاظ على توحيد المسلمين ولو على "رأي مرجوح"، موضحا أنه "في الوقت الذي تقوم فيه المراكز التابعة لهيئة المشاركة والإحسان الإسلامية في مدينة طورينو ونواحيها بالدعوة إلى الصيام وفق رؤية المملكة العربية السعودية بناء على قرار لجل المراكز بالمدينة، تقوم مراكز أخرى تابعة للمنظمة ذاتها بمدينة ميلانو ونواحيها باعتماد قرار مجلس الإفتاء الأوروبي ما دام أن أكبر المراكز في هذا المنطقة يدعو إلى ذلك، بل إن مراكز بمناطق أخرى شاركت في عملية مراقبة الهلال بمناطقها بعدما دعت بعض المراكز إلى ذلك"، ليخلص إلى أنه "أمام استحالة توحيد المسلمين بإيطاليا وطنيا، يبقى الحرص على توحيدهم ولو محليا".

ويستغرب بعض المراقبين للشأن الإسلامي بإيطاليا من حرص الهيئات الإسلامية على خلق النزاعات والتفرقة في ما بينها، عوض البحث عما يوحدها ويجمع شملها حتى تستطيع نزع إعتراف رسمي من الدولة الإيطالية، وهو ما سبق أن أشار إليه رئيس الوزراء الإيطالي السابق، رومانو برودي، خلال الصيف الماضي في لقاء حضره وزير الداخلية الحالي، ماركو مينيتي، بقوله إن المسلمين لن يستطيعوا توقيع "إنفاقية تفاهم" مع الدولة الإيطالية مادام هذه الهيئات التي تمثلهم تتصارع في ما بينها.

وقدم رومانو المثال بـ"مسجد ميلانو" الذي قامت هيئات إسلامية بالإعتراض على ترخيص البلدية لهيئة إسلامية أخرى لبنائه؛ ما جعل سفير المغرب بروما، حسن أبو أيوب، الذي كان حاضرا خلال اللقاء مع برودي ومينيتي، يشير إلى أن الصراع الحقيقي بين هذه الهيئات الإسلامية سببه مادي بالأساس.

شارك هذا المقال:
  • لمناقشة آخر الأخبار مع أصدقائك و تتبع جرائدك المفضلة، سجل الآن!


    إحتراما لخصوصيتك لا نضع أي معلومات على فايسبوك.