شقوري: بنكيران تخلّى عنِّي .. والمعاملة الحسنة من الحموشي

شقوري: بنكيران تخلّى عنِّي .. والمعاملة الحسنة من الحموشي

ضمن سلسلة "حوار مع سجين غوانتنامو"، نتوقف مع قراء جريدة هسبريس عند مسار أشهر معتقلي السجن الأمريكي في الخليج الكوبي، المغربي يونس شقوري، الذي قضى 14 عاما في "غوانتنامو" الذي اعتقلت فيه واشنطن العشرات من المعتقلين العرب والأجانب ممن كانوا يتواجدون في باكستان وأفغانستان إبان الغزو الأمريكي لهذه الأخيرة، رداً على الهجمات الإرهابية التي طالت صبيحة 11 شتنبر 2001 برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.

هسبريس زارت شقوري في منزله وسط مدينة آسفي؛ حيث يقضي فترة نقاهة إثر سراح مؤقت منحه إياه قاضي التحقيق المكلف بملفات الإرهاب، في فبراير الماضي، بعدما قضى قرابة خمسة أشهر وراء قضبان سجن سلا2، مباشرة بعد تسليمه من الولايات المتحدة الأمريكية إلى سلطات الرباط، يوم 16 شتنبر 2015، قادما من "غوانتنامو" على متن طائرة عسكرية، معصب العينين ومكبل الأطراف.

في الحلقة "13" من الحوار، نقف مع يونس عند يوميات "جحيم غوانتنامو" التي عاشها في أسوأ معتقلات العالم بعد ترحيله من قاعدة "قاندهار" الأمريكية في أفغانستان، ليحكي لنا جانبا من تعامل موظفي "رجل الاستخبارات الأول في المملكة"، حين وطأت قدماه المغرب إثر تسليمه من واشنطن، دون أن يخفي انزعاجه من صمت حكومة بنكيران عن قضيته، وما وصفه بالتعامل السلبي مع ملفه من طرف وزير العدل والحريات، المصطفى الرميد.

وفيما يلي اللقاء مع يونس شقوري في جزئه الثالث عشر:

ذكرت في الحلقة السابقة زيارة المخابرات المغربية لك بعد ترحيلك إلى سجن غوانتنامو.. أريدك أن تصف لي تعامل المصالح الأمنية المغربية حين سلمتك واشنطن للرباط في شتنبر الماضي؟

لا أخفيك أن المعاملة التي تعاملت بها معي السلطات المغربية كانت طيبة ورائعة وذلك بتوصية خاصة من السيد عبد اللطيف الحموشي، مدير الأمن الوطني المدير العام لمديرية مراقبة التراب الوطني، بدءا من مرحلة التحقيق ثم في سجن سلا2. فأول ما نزلت ضيفا على مقر الشرطة القضائية بالمعاريف، كان قاضي التحقيق يثني على شخصي ويؤكد لي أن التقارير تشير إلى ما هو إيجابي، فقد تعاملوا معي كضيف وليس كمجرم أو إرهابي.

في سجن سلا2، كان المدير يقول لي إن توصيات تؤكد أن يونس شقوري ليس سجينا، وهذا ما لامسته في الواقع؛ حيث كان الموظفون جميعهم يتعاملون معي معاملة مميزة وحسنة، وهو ما ترك أثرا إيجابيا على نفسيتي. وجدت فرقا كبيرا بين ما كنت عليه حين سجني في غوانتنامو من قبل الجنود الأمريكان والإدارة الأمريكية، فكنت ما زلت أشعر بأني محظوظ لأني عدت إلى بلدي.

إذن، شعرت فعلا بوجود فرق بين غوانتنامو وبين ما كنت عليه فور ترحيلك إلى المغرب؟

طبعا، ولا أخفيك أن طيلة فترة قضائي لقرابة خمسة أشهر في سجن سلا2 المحلي، شعرت بأن إدارة السجن باتت مثل العائلة رغم أن عائلتي تسكن بعيدا عن مدينة سلا، لكن كنت أواسي نفسي بأخلاق موظفي السجن وأسلوب تعاملهم، فكنت أعتبر الجميع بمثابة عائلتي الكبيرة.

لقد حضر وفد من رجال السيد الحموشي لزيارتي بعد إيداعي السجن للنظر في وضعي، فلم أجد صراحة سوى العناية والرعاية التي لم أكن لأشعر بها دون السلطات الأمنية.

هل تواصل معك رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران أو أحد من وزرائه؟

للأسف لا، لقد كنت أنتظر أن تكون حكومة بنكيران مبادرة بالسؤال عني أو إرسال وفد أو مبعوث وزاري على الأقل ليواسيني في مدة 14 سنة قضيتها ألما وعذابا في معتقل غوانتنامو، أكبر المعتقلات في العالم، رغم أني لا أعتبر ذلك من باب المن أو الصدقة من أحد، لأنه كان بإمكاني اختيار الذهاب إلى ألمانيا عوضا عن المغرب؛ حيث كان وزير حقوق الإنسان في ألمانيا يترأس حملة تضامنية باسمي.

لقد كانت الإدارة الألمانية مهتمة بقضيتي، ولو قدر لي الذهاب إلى هناك لوجدت في استقبالي مسؤولين حكوميين كبارا، ولكان الوضع على أحسن حال، خاصة وأن برلمان المنطقة التي كنت سأذهب إليها كان موافقا على ترحيلي، إلى جانب وزراء ألمان كانوا مستعدين للدفاع عن قضيتي.

كما كانت منظمات حقوق الإنسان في ألمانيا مهتمة بقضيتي، حتى إن وفدا منهم ذهب إلى السفارة الأمريكية وجلس مع السفير الأمريكي وطلب منه أن يشرع في حملة داخل أمريكا، خاصة على مستوى الكونغرس، من أجل ترحيلي إلى ألمانيا. دون أن أنسى قيادة رئيس حزب الخضر الألماني لحملة قوية لأجلي.

لكنك اخترت المغرب.. من تواصل معك بعد ترحيلك؟

نعم اخترت المغرب وأفتخر لأنه بلدي. حين التحضير لترحيلي من غوانتنامو، ظننت أني سأجد الأمر نفسه في المغرب، وقلت إن الهيئات الحقوقية ستتوافد من أجل زيارتي، لكني لم أجد سوى المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي زارني وفد منه مرتين أو ثلاث مرات، لكن الاهتمام الكامل والعناية الكبيرة لاقيتها بسبب مديرية السيد عبد اللطيف الحموشي؛ إذ كانت زيارات موظفي مكتبه تعطيني شحنة أمل وأثرت على نفسيتي، فكان اختياري للمغرب هو الأفضل، وأحمد الله على هذا الاختيار.

وماذا عن الحكومة؟

منذ ترحيلي إلى المغرب وطيلة فترة السجن لمدة خمسة أشهر، وإلى حدود هذه الساعة، لم أجد أي اهتمام من حكومة بنكيران ولا من حزب العدالة والتنمية ولا غيره من الأحزاب. فقد تخلوا عني، حتى وزير العدل والحريات كانت مواقفه سلبية جدا في قضيتي رغم أن دفاعي من المحامين في منظمة "ريبريف" البريطانية قاموا بزيارات له ووعدهم بأن يبذل جهده في الملف، لكن حين دخولي إلى المغرب، بات يصرح تصريحات لا معنى لها.

رغم ذلك، كنت مرتاحا من الناحية النفسية، لأن رسائل السلطات الأمنية بالمغرب كانت واضحة، وهي أن ملفي مرتبط بالسيادة المغربية؛ حيث توصلت بطمأنة مسؤولين كبار في الدولة تفيد بأن نهاية قضيتي ستكون طيبة، وهذا ما أتمناه وأرجوه.

أتذكر حين خرجت من باب سجن سلا2 بعد الإفراج عنك بأمر قضائي صرحت لي بأنك تشكر الحكومة على جهدها.. هل يمكنك توضيح موقفك ذاك؟

يوم خروجي من السجن قلت إني أشكر الحكومة، وكنتم نشرتم الخبر على صفحة موقعكم، لكن ما حصل كان سوء فهم غير مقصود، لأن قصدي لم يكن حكومة بمعناها الحكومة المشكلة من الوزراء، بل السلطة الحاكمة، فقصدي كان شكري إلى الملك محمد السادس أطال الله في عمره، والسلطات الأمنية في البلاد على الرعاية والاهتمام بي وبقضيتي منذ أن وطأت قدماي تراب المغرب. فلم أعامل يوما ما على أني سجين أو مجرم أو إرهابي.

كيف مرت فترة اعتقالك في سجن سلا2 لمدة قاربت خمسة أشهر في انتظار إنهاء التحقيق التفصيلي معك؟

لقد تم ترويج فكرة خاطئة تفيد بأنه إذا تم ترحيلي إلى المغرب، فسأتعرض للتعذيب وأعامل معاملة سيئة جدا، وأن الوضع في السجون مزري جدا، لكن ما عشته في السجن كان خلاف ذلك، وأنا هنا أحكي عن حالتي كيونس شقوري.

لقد كانت المعاملة مختلفة عن باقي السجناء، ليس لأنني إنسان يحمل معه توصيات من أمريكا، لكن الجميع كان يحترمني لأني استطعت أن أفرض شخصيتي على الجميع على مستوى أخلاقي وفكري وعقليتي، فكانوا يقولون لي: أسلوبك وأخلاقك تجبرنا على أن نتعامل معك بصفة حسنة.

لقد وجدت تعاطفا كبيرا جدا من الجميع، حتى ممن يسمون معتقلي السلفية الجهادية وحتى معتقلي الحق العام وهي مسميات تختلف، لكن قدر الله جرى على الجميع بأن نكون في ذلك المكان، فرأيت من الجميع، سجناء وموظفين وإدارة، الأخلاق وحسن التعامل أبهرني وترك أثرا إيجابيا جدا على نفسيتي.

ما تنتظر بعد قضائك هذه الفترة في السجن بالمغرب في انتظار نتائج التحقيق.. وأقصد هنا اندماجك في المجتمع بعد قرابة 25 سنة من مغادرتك له؟

بالنسبة لإدماجي وتأهيلي، فللأسف الشديد لا زلت أقولها، ماذا ينتظر شخص يعود إلى بلده بعد معاناة 14 سنة من دولة معروفة بكرمها واهتمامها برعاياها، وهنا أقصد ما يحصل مع جميع معتقلي غوانتنامو ممن أطلق سراحهم وتم ترحيلهم إلى دول أخرى مثل السعودية وباقي دول الخليج والسودان وبريطانيا؛ حيث حين يعود يجد من الرعاية والاهتمام ما يجعل الإنسان فعلا يرفع جبينه ويفتخر ببلده.

وللأسف هذا لم يحصل معي في بلدي، فحكومة بنكيران لم تحرك ساكنا، لكني أرجع الفضل لما شعرت به من عناية أولا لله تعالى ثم لمسؤولي الدولة على رأسهم جلالة الملك وإدارة السيد عبد اللطيف الحموشي.

ما زلت أنظر إلى المستقبل بنفس منشرحة ومطمئنة، وأتمنى أن أخدم بلدي وإخواني المغاربة، وأتمنى أن تكون تجربتي درسا لغيري، فهي تجربة ربع قرن عشتها واستفدت منها، وأتمنى من الله أن يحفظ البلد ويجعله مباركا ويبارك في أهله وكل من يأتي إليه من ضيف.

يتبع..

شارك هذا المقال: