داء السيدا بالمغرب في تراجُع.. وخبير: لمْ يعُد مرضا مُرعبا

داء السيدا بالمغرب في تراجُع.. وخبير: لمْ يعُد مرضا مُرعبا

يبْدو أنَّ داء فقدان المناعة المكتسبة "السيدا" لمْ يعُدْ، كما كانَ في الماضي، مثيرا للقلق في ظلِّ تطوّر الأدوية المضادّة له وتوسيع نطاق العلاجات؛ بَلْ إنَ العُلماء المشتغلين في هذا المجال متفائلون بشأن إمكانيّة القضاء عليه في غضون العشر سنوات أو الخمسَ عشرة سنة المقبلة.

مَرض كباقي الأمراض

مساء أمس الثلاثاء، أطلقتْ جمعية محاربة السيدا حملة "سيداكسيون" لسنة 2016، تحت شعار وقفُ زحْف السيدا معركة مستمرة".

واعتبر الدكتور محمد الخماس، المنسق الوطني للتكفل بالأشخاص المتعايشين مع الفيروس وبرنامج تقليص المخاطر عند مدمني المخدرات بالجمعية، أنَّ مرض السيدا "لم يعُد مرضا مُرعبا، بل أضحى مرضا كباقي الأمراض".

ويوضّح الدكتور الخماس، في حديث لهسبريس، أنَّ حاملَ فيروس السيدا يمكن أنْ يتعايشَ مع مرَضه كباقي الأمراض المزمنة، ويعيش حياة عادية؛ بلْ يُمكنُ لحامل الفيروس أنْ يتزوّجَ ويُنجبَ أطفالا، دونَ أن تنتقلَ العدوى إلى زوْجه أوْ أطفاله.

المتحدث ذاته أكّدَ أنّ ذلك مشروط بالكشْف المبكّر عن المرض واتّباع العلاج بشكل منتظم؛ لأن "البحوث العلمية بينت أنَّ الإنسان إذا اكتشف أنه مصاب في وقت مبكر وتتبع العلاج، يُمكن أن يتعايش مع مرض السيدا بشكل طبيعي، كغيْره من الأمراض، ويُمكن أن يتزوج ويُنجب، كأنّه غيرُ مصاب، وبدون أن تكونَ هناك أيّة مخاطر"، يقول الدكتور الخماس، مؤكّدا أنَّ "الأدوية تَمنعُ انتقال العَدوى من الشخص المُصاب إلى شخص آخر".

المغربُ متقدم.. لكن..

حسبَ أرقام مكتب الأمم المتحدة الخاصّ بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإنَّ المغرب شهدَ انخفاضا ملموسا للإصابة السيدا في منطقة "MENA"، إذ تُشيرُ تلك الأرقام إلى أنَّ عددا المصابين بالسيدا في المغرب انخفاض من 32 ألف شخص إلى 24 ألفا.

ويعلق الدكتور الخماس على هذه المعطيات بالقول: "هذا يعني أنَّ المجهودات المبذولة في المغرب، من لدن المجتمع المدني بشراكة مع وزارة الصحة والشركاء العاملين في هذا المجال، بدأت تعطي أكلها؛ لكنَّ المشكل هو أنَّ 51 في المائة منهم يجهلون أنهم حاملون للفيروس، ويمكن أن يكونوا يقيمون علاقات جنسية غير محمية، وهذا هو الخطر"، يقول الدكتور الخماس.

ويستطرد المتحدّث ذاته أنَّ المغربَ مُتقدّم في ميدان مكافحة داء السيدا؛ "ذلك أنّه يكون سباقا لتنزيل كافة التوصيات الصادرة عن الأمم المتحدة المتعلقة بالتكفل بالمرضى، ويُنزّلها على أرض الواقع. وأي شخص اكتشف أنه حامل لفيروس السيدا يحصل على الأدوية ويتلقى العلاج مجانا"، على حدّ تعبيره.

يردف المنسق الوطني للتكفل بالأشخاص المتعايشين مع الفيروس وبرنامج تقليص المخاطر عند مدمني المخدرات بجمعية محاربة السيدا أن هذا التقدم الذي حققه المغرب "لا يعني أننا وصلنا إلى المنتهى، وأنّ الجهود المبذولة يجب أن تتوقّف"، مشيرا إلى أنَّ أيَّ تراجُع، الآن، سيُؤدّي إلى هدْم كل الإنجازات المحققة خلال السنوات الماضية، "لذلك فنحن في فترة تستدعي تكثيف الجهود والعمل الجدّي وتشديد طريقة التعامل مع هذه العدوى، خاصة في المكان التي ينتشر فيها هذه العدوى ووسط عموم الساكنة العامة".

في هذا الإطار، قال الدكتور الخماس إنَّ مرَض السيدا غير منتشر بكثرة في المغرب، إذْ لا تتعدّى نسبة حاملي الفيروس 0.1 في المائة من مجموع السكان؛ لكنّه أكّد أنّ ما يثير القلق هو أنَّ هناك مناطقَ محدّدة يتمركز فيها الداء بشكل كبير، خاصّة في الجنوب والشمال، خاصّة أنَّ الفئات التي ينتشر في صفوفها الداء تُعاني من الهشاشة الاجتماعية.

وأشارَ الخماس إلى أنَّ الفئات المجتمعية التي ينتشر في صفوفها الداء أكثر تتشكل، غالبا، من النساء المشتغلات في الدعارة والذكور المِثليين ومُتعاطي المخدّرات عن طريق الحُقن والمهاجرين غير النظاميين القادمين من دول جنوب الصحراء، مشيرا إلى أنَّ نسبة الإصابة بالسيدا في صفوف هذه الفئات قد تصل إلى 5 في المائة، "وهذا يدقّ ناقوس الخطر"، يُردف المتحدث.

داءٌ يمكن القضاء عليه

إذا كانَ عددُ حاملي فيروس السيدا في المغرب، حاليا، في حدود 24 ألف شخص، فإنَّ ما يُثير قلقَ الفاعلين في مجال مكافحة هذا الداء هو أنَّ أكثر من نصف هؤلاء يجهلون أنهم حاملون للفيروس.

ويعْزو الدكتور الخماس سبب ارتفاع هذه النسبة إلى التخوّف من ردّة فعل المجتمع إزاءَ حامل الفيروس، مُعتبرا أنَّ الحلَّ يكمن في نزْع الوصْم المحيط بهذا الداء.

"إذا قام الشخص بتصرُّف وشكَّ في أنّه قد يكون مُصابا جرّاءه بداء فقدان المناعة المكتسبة ينتابه الرعب من الذهاب لإجراء تحاليل مخبرية، ليْس خوفا من مرض السيدا في حدّ ذاته، بل من خوْفا من ردة فعل المجتمع؛ فقد تنبذه أسرته إذا عَلمتْ أنه حامل للفيروس، وقد يفقد عمله، وهذه تمظهرات نراها يوميا"، يوضح الدكتور الخماس.

وأشار المتحدث إلى أنَّ تجاوُزَ هذه الإشكالية يقتضي، إضافة إلى نزع الوصم المجتمعي عن الداء، توسيعَ دائرة التحسيس والتوعية واستمرار الحملات على مدار السنة؛ لافتا إلى أنَّ بإمكان المغرب أن يقضي على هذا الداء في غضون سنة 2030، إذا عزّزَ الجهود المبذولة لمكافحته، وَوضع خُطّة مُحكمة لتحقيق هذا المُبتغى.

في هذا الإطار، أشار الخماس إلى تجربة فريدة انخرطتْ فيها جمعية مكافحة السيدا بالمغرب، بشراكة مع وزارة الصحة ومكتب الأمم المتحدة الخاص بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيثُ تتمّ الاستعانة بأشخاص من الفئات الهشة (عاملات الجنس، المثليون، متعاطو المخدرات...) التي ينتشر فيها داء السيدا، لإجراء التحاليل للمشكوك في إصابتهم.

وقال المتحدّث إنَّ الأشخاص الذين تتمّ الاستعانة بهم يخضعون لتكوين نظري، ثم تطبيقي لمدّة شهور، ويشتغلون تحتَ إشراف أطباء بعد الحصول على رُخص، وهُوَ ما يمكّن من كسْب ثقة الراغبين في إجراء التحاليل، مشيرا إلى أنَّ "خبيرتين دوليّتين قيّمتا هذه التجربة، وأكّدتَا فعّاليتها ونجاعتَها".

لكنَّ هذه التجربة ما زالَ نطاقُها محدودا، إذ لم تشمَلْ إلى حدّ الآن سوى مُدن الرباط والدار البيضاء والرباط ومراكش، "وهذا لا يكفي، لأنّ التجربة يجب أن تشمل جميع مُدن المغرب، من أجل تحقيق نتائج أفضل، ونحنُ ندعو وزارة الصحة إلى أن تتعاونَ معنا لبلوغ هذا الهدف"، يقول الخماس.

شارك هذا المقال:
  • لمناقشة آخر الأخبار مع أصدقائك و تتبع جرائدك المفضلة، سجل الآن!


    إحتراما لخصوصيتك لا نضع أي معلومات على فايسبوك.