مبروكي: المغاربة تربوا على عدم الشعور بالمسؤولية الشخصية

مبروكي: المغاربة تربوا على عدم الشعور بالمسؤولية الشخصية

ظاهرة "الواحْدْ خَصُّ ..." عند المغربي

ألاحظ دائما، في أي مكان وكيفما كان الوضع، أن المغربي في حديثه يتدخل لإبداء رأيه بهذه العبارات "إوَ الواحْدْ خاصُّ يْديرْ هَكَّ.. أو يْلْبسْ هَكَّ... أو يَكُلْ هَكَّ... أو تْكونْ عْنْدو هَدي وْهَدَ... أوْ يْتْكْلَّمْ هَكَّ... أو يْخْدْمْ هَكَّ...".

في الشارع مثلا يقال "الواحْدْ خَصُّ مَيْلوحْشْ الكاغْطْ"، وفي الإدارة "الواحْدْ خَصُّ يْديرْ الصف ويْعايْنْ نوبْتو ويحترم لِقَبلُ"، أو "الواحْدْ خصُّ مايَكولْشْ بْزّافْ" أو "الواحد خصُّ يْديرْ الرِّياضة" أو "الواحد خصُّ يتْهْلَّ فْمْرْتو" أو "الواحد خصُّ تكون عندُ الإرادة والشخصية قوية"...

والأخطر من كل هذا أن نرى هذه الظاهرة حتى عند المربيين (من أباء وأساتذة) في تربيتهم لأطفالهم وتلاميذهم منذ صغرهم، في مثل "الواحد خصُّ يْفْهْم رَسُ" و"الواحد خصُّ يْديرْ الواجبات دْيَلُ" و"الواحد خصُّ يْكون لَوَّلْ دْلْقِسْمْ"، و"الواحد خصُّ يكون مئَدَّبْ ونْقِ"، و"الواحد خصُّ يكون ذْكِي" و"الواحد خصُّ يْكون قافز"، و"الواحد خصُّ يكون بْعْقْلوُ"، و"الواحد خصُّ يْقْرَ الكتب والجرائد"، و"الواحد خصُّ تكون عْنْدُ العزيمة قوية"، و"الواحد خصُّ يْدافعْ عْلى رَسُ"...

لنحلل كلمات هذا التعبير الشائع لنكشف مدى خطورته:

1- "الواحد"

من هو هذا "الواحد" الذي نتكلم عنه؟ أولاً هو "مجهول التعريف"، وثانياً هو "غائب"، بحيث لا يُعرف لمن تُوجه مثل هذه العبارة عند الطفل الذي يفهم عادة أن المربي يتحدث عن "الواحد" المجهول الغائب وليس عن نفسه مباشرة. أي مجهود سيبذله الطفل إذا وجهنا النصيحة إلى "المجهول" "الغائب"؟ ..هذا يشير إلى أن المغربي ضعيف ولا يتحمل مسؤوليته في قوله، ولا يستطيع من جهة أخرى توجيه خطابه لنفسه أولاً مثل "خَصْنّي نْديرْ الصف ونْكون كذا وكذا.." أو "خَصْني نْقْرَ الكتب"، ومن جهة أخرى لا شجاعة له كي يوجه كلامه مباشرة للآخر مثل أن يقول: "أسِيدي َ ديرْ الصف وحْتَرم لِقْبْل مْنّْكْ"، عند البقال أو في الإدارة ... مهما كان عذر من لم يحترم حقوق الآخرين.

هذا الأسلوب التربوي "الواحد خصُّ" هو الذي جعل من المغربي عديم القدرة على أن يُحدث نفسه مباشرة؛ لأنه لم يتعلم هذه الطريقة في تربيته منذ الصغر، سواءً في المنزل أو المدرسة، ولا يستطيع أن يبدي رأيه مباشرة في حديثه مع الآخرين، خوفاً من أن يصبح "غير مرغوب فيه"، لأن التربية علمته "سْكُتْ حْشُمَ تْهْدْرْ هَكَّ مْعَ لْكْبارْ".

هذا الأسلوب التربوي هو سبب عدم الإحساس بالمسؤولية الشخصية وبالانتماء إلى المجتمع، وبدور الفرد في بناء مجتمعه؛ لأن أسلوب التربية يتوجه دائماً إلى الغائب المجهول، بينما يُهمل صاحب الشأن الذي يجب عليه تلقي التربية والتوجيه الصحيح لتطوير نفسه وتغيير المجتمع؛ وبالتالي يفقد شعوره بالمسؤولية عن أخطائه. ويتجلى هذا في أمثلة كثيرة من الحياة اليومية، فنجد الفرد يقول إذا تأخر عن موعد صباحي: "دَّانِي النعاس"، عوض أن يقول "سمحلي مَدْرْبْتْشْ حْسابي مزْيانْ".

2- "خاصُّ"

ما هذا التجبر والعنف والعدوانية والديكتاتورية حتى أسمح لنفسي بأن أجبر الآخر بسلاح عبارة "خاصُّ يْكون وْيْديرْ وْما يْديرْش.ْ.."، والأخطر من ذلك أن لكل مغربي قانونه الخاص. وبما أن المغربي لا يستطيع أن يبدي رأيه مباشرة ويواجه الآخر بكل تلقائية مثل "اَسيِدِي ديرْ الصف"، أو "مَتْلوحْش الكاغط فالأرض"، أو "مَتْبْزْقْشْ هْنا"، فإنه يلجأ إلى استعمال ضمير"الغائب"، ويفتي بما شاء، ولكن الآخر في معظم الأحيان لا يعنيه الأمر، وإذا شاء الله وردَّ عليه بِـعبارة: "لْمْنْ كَتقول هادْ الهْدْرَة؟" أو "واشْ كَتْقْصْدْنِي وْلَّ؟"، فسيكون رد مفتي القوانين: "وَشْ اَنا هْدْرْتْ مْعَكْ اَصْلاً"، وهذه مع الأسف الشديد من الأسباب التي لا تجعلنا نتقدم إلى الأمام ونرتقي بمستوى تعاملاتنا، وذلك راجع إلى نمط التربية التي ركبت فينا الخوف من الحوار الصريح المتمدن، ومن تحمل المسؤولية في تصحيح أخطائنا ومواجهة أنفسنا والآخرين بمنطق الصدق والوضوح. وهذا ما يفسر لماذا يضطر المغربي إلى سلوك طريق الشجار ليعبر عن رأيه بعنف، ثم يطلب بعد إفراغ حقيبته المسامحة ويلقي الخطأ في نهاية المطاف على الغائب الملعون، مثل قوله "الواحْدْ مْلِّ كَيْتْقْلقْ مَكَيْبْقَ مَيْعْرْفْ اَشْ كَيْقُولْ، والشيطان ولد الحرام الله يْنعلُ ويْخْزِه".. حتى في هذا الاعتذار لا يستطيع أن يتكلم عن نفسه بل يحصر الكلام بالمنطق الذي نشأ عليه، وهو إلقاء المسؤولية على "الغائب" الذي سب وتشاجر مع الآخر، وكأنه هو الحمل الوديع الذي لا ذنب له.

3- "يْكُنْ"

هذه مصيبة عظمى في تركيبة النفاق في مجتمعنا؛ لأن الفرد الذي يسمع "الواحد خَصُّ يْكُنْ" يستوعب أنه مستهدف ومعني بالعبارة، ولكنه يستمر في طريقه وكأنه غير معني. فلما نقول للطفل "الواحد خص يكن.." بصوت عنفي ونذهب إلى حالنا، كيف سوف يستطيع أن يصل إلى ما يرتجيه منه المربيون وهو لم يحصل تربوياً على الوسائل والآليات التي يجب استعمالها للوصول إلى الهدف المنشود، وهو إحداث التغيير الايجابي؟. بطبيعة الحال فإن الطفل لن يوفق لأنه يجهل كيفية الفعل، بينما نضعه حينئذٍ في مواقف الفشل، فترسخ سريعاً ذهنه عقدة الفشل أو "أنا مَفْيْدِّشْ"، ويتوجها المربي بِـ"أنتَ هِكَمْبُو وْمْكْلّْخْ".

وعلى سبيل المثال أرى في عيادتي أعداداً كبيرة متزايدةً من الأفراد الراشدين يشتكون من "مَكَنْعْرْفْشْ نْهْدَرْ مْع الناس"، أو "مَكَنْعْرْفْشْ نْقُلْ للآخرين"، أو "مَكَنْقْدْشْ نْدافْع على رَسي وْنْعْبَّر على الداخل دْيَلِ"، ويطلبون في حيرة وألم حلولاً وآليات للخروج من زنازين هذا السجن النفساني الكئيب.

صحيح أن عدداً من القراء لمقالاتي يطلبون مني الحلول فلا يجب علي أن أكتفي فقط بعرض المشكلات والظواهر وتحليلها فقط، ولهذا أقول لهم إن الحلول متنوعة جداً، وعلى كل شخص أن يحاول استخراج الحلول المكنونة بداخله والمناسبة لظروفه وحالته ليُحدث فعلاً التغيير المنشود؛ لأنه ليس من دور المحلل الجاد أن يلقي ببساطة بمجموعة من الحلول الجاهزة التي لن تتناسب بالضرورة مع خصوصيات وحاجيات كل فرد.

المهم في المقام الأول هو أن نراجع أساليب التربية المغربية لدينا، وتكون مركز اهتمامنا بالدرجة الأولى في مشاورتنا وأعمالنا، حتى نستطيع تطويرها وتنقيتها لنخلق ثقافة تربوية جديدة تتناسب مع روح العصر ومتطلبات الأجيال الجديدة.

شارك هذا المقال: