خديجة محسن .. سائقة شاحنات مغربية تكسب إعجاب الأمريكيين

خديجة محسن .. سائقة شاحنات مغربية تكسب إعجاب الأمريكيين

خديجة محسن من مواليد درب السلطان بمدينة الدار البيضاء سنة 1967، قضت طفولتها بمنطقة "الحبوس" محاطة بإخوة ذكور؛ حيث كانت هي البنت الوحيدة في العائلة، مما أكسبها منذ نعومة أظافرها قدرة على المنافسة في مجالات تعتبر حكرا على الذكور.

بعد حصولها على شهادة البكالوريا من ثانوية فاطمة الزهراء بمنطقة الأحباس، التحقت خديجة بمدرسة حرة، تحصلت منها على دبلوم في تخصص المال والأعمال، ليستقطبها إخوتها الذكور إلى متجرهم العائلي، وأشرفوا على تعليمها أصول التجارة المغربية.

بموازاة مع ذلك، كانت خديجة تمد يد العون لوالدها رحمه الله، والذي كان يدير فران الحي، المعروف باسم "فران الحاج حدوش"؛ حيث كانت تزاول مهاما تتطلب قوة جسمانية، وأخرى تتطلب تحمل حرارة جد مرتفعة. لم تكن خديجة تعترف بخصوصية الذكور في احتكار مزاولة مهنة ما، مهما بلغ نوع التحدي الذي ستواجهه.

بعد أن اكتسبت ما يكفي من التجربة لمواجهة مصاعب الحياة، هاجرت خديجة إلى الولايات المتحدة الأمريكية مع مطلع القرن الواحد والعشرين، ثم حطت الرحال بمدينة أطلانطا بولاية جورجيا. سنة 2001 ستحصل على رخصة سياقة تخول لها الاشتغال في مجال النقل الطرقي.

اكتسبت خديجة تجربة كبيرة في مجال نقل الأشخاص على متن الحافلات، وتخصصت في النقل من وإلى مطار أطلانطا الذي يعتبر أكبر مطار في العالم، ومكنتها قدرتها على التكلم باللغة العربية والفرنسية من أن تحظى باهتمام خاص لدى مشغليها؛ حيث كان يتم تكليفها بنقل الوفود العربية والفرنسية التي تزور مدينة أطلانطا.

وفي حديث إلى جريدة هسبريس الإلكترونية، قالت ضيفتنا مبتسمة: "أكسبتني تجربة العمل في قطاع نقل الأشخاص ثقة عالية في النفس؛ حيث كنت التقي مع شخصيات هامة، وفي كل مرة كانت جموع الوفود العربية تعبّر لي عن دهشتها، عندما تعرف أنني مغربية الأصل وأسوق حافلة كبيرة وسط طرقات أطلانطا المتشابكة".

بعد عشر سنوات من العمل بين مدينة أطلانطا ومطارها، ستخوض خديجة تجربة جديدة، ستقودها إلى كليات الطب، والعلوم، والحقوق، والاقتصاد. قالت عنها ضيفتنا: "لقد كانت تجربة رائعة، كنت في تواصل دائم مع دكاترة، وأساتذة جامعيين، وطلبة، وقضاة، ومحامين من مختلف أنحاء العالم. وأثناء وقت فراغي بالجامعة، كان الطلبة الأمريكيون يلجؤون إلي لمساعدتهم في مادة اللغة العربية التي كانت مادة إجبارية في جامعة إيموري".

عدد من زبناء خديجة بادروا إلى مراسلة إدارة جامعة إيموري للتعبير عن مدى سعادتهم بجودة الخدمة التي توفرها لهم السائقة من أصول مغربية، لتتحصل على شهادة تقديرية من قسم السلامة بالشركة التي كانت تشتغل بها، وهدية هامة من الإدارة العامة تشجيعا لها على تفانيها في خدمة الزبناء، لتقرر بعد ذلك الانتقال إلى عالم نقل البضائع على متن الشاحنات الكبرى.

اجتازت خديجة كل الاختبارات للحصول على رخصة السياقة المهنية درجة أولى، وما إن حصلت عليها حتى منحت لها فرصة الالتحاق بأكبر شركة نقل طرقي بأمريكا الشمالية، نظرا لتجربتها الطويلة في ميدان نقل الأشخاص، لكن التحدي الأكبر بالنسبة لها للحصول على هذا العمل كان هو ضرورة انتقالها إلى مدينة سالت ليك سيتي، بولاية يوتاه، لإجراء اختبارات الشركة.

تحدي كبير جدا ينتظر ضيفتنا، فعليها الصعود إلى قمة جبال سالت ليك سيتي المنغمسة وسط السحاب، على متن شاحنة أمريكية ضخمة، ومقطورة طولها 53 قدما، محملة بحوالي 20 طنا من السلع، ثم النزول عبر الطريق نفسها التي قادتها إلى قمة الجبل، وبعد ذلك سيكون عليها إثبات قدرتها على إجراء عملية المراقبة الميكانيكية للعربة، وتمكنها من ضبط قواعد توزيع الحمولة وسلامة تحميلها.

اجتازت خديجة كل الاختبارات بنجاح، والتحقت بركب شركة "سويفت" التي تضم 24 ألف سائق مهني، وجابت أمريكا من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، كما زارت كندا مرات عدة، متحدية كل المصاعب المناخية من قسوة البرد وكثرة الثلوج، إلى البعد عن ابنتها الوحيدة.

وفي ختام حديثها مع جريدة هسبريس، قالت خديجة: "لم أكن لأقوم بهذا العمل لولا فضل الله وحسن تربية والداي رحمهما الله لي، وحرص إخوتي الذكور على تعليمي أصول الكفاح في الحياة. وفي كل مرة أدخل محطة طرقية، يسألني السائقون المهنيون عن بلدي الأصلي، فأرد عليهم بكل فخر واعتزاز: أنا مغربية، وفي غالب الأحيان يكون التعقيب: أول مرة ألتقي سائقة شاحنة عربيةً بأمريكا".

شارك هذا المقال:
  • لمناقشة آخر الأخبار مع أصدقائك و تتبع جرائدك المفضلة، سجل الآن!


    إحتراما لخصوصيتك لا نضع أي معلومات على فايسبوك.