حميش: الأمازيغية تواجه تبشيرا وتنفيرا .. والتعليم ينتظر "معجزة"

حميش: الأمازيغية تواجه تبشيرا وتنفيرا .. والتعليم ينتظر "معجزة"

رافقت عملية عرض القانون الإطار المتعلّق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي أمام البرلمان قبل صدوره في الجريدة الرسمية نقاشات مجتمعية محتدمة، حول لغات التدريس ومجانية التعليم ومستقبل المدرسة والمجتمع المغربيّين.

وتستمرّ الحاجة إلى متابعة أوجه تنزيل هذا القانون الإطار، ومناقشة بعض بنوده للاطلاع على مختلف الرؤى المجتمعية له، وتعميق الوعي بـ"قانون إطار"، يُراد منه إصلاح منظومة تعليمية، عانت سنوات، ووحّدت الفاعلين في انتقادها.

بنسالم حميش، وزير الثقافة الأسبق والكاتب الذي حصلت سيرته الذاتية الذّهنية "الذات بين الوجود والإيجاد" على جائزة الشيخ زايد للكتاب، يتحدّث في الجزء الثاني من هذا الحوار عن تخوّفاته من كثرة الأبجديات في المدرسة المغربية، والحاجة إلى نقد ذاتي عند تنزيل القانون الإطار، أو انتظار "معجزة" لإصلاح المنظومة التّعليمية بالبلاد.

هل ترى أنّ تدريس أربع لغات، على الأقلّ، في المدرسة المغربية هدف قابل للتّحقيق؟

نستشير أهل الذّكر ليقولوا لنا هل تدريس أربع لغات شيء ممكن وقابل للتّحقيق، وهنا أتكلّم عن البيداغوجيين والنّفسانيّين. أعطني بلدا واحدا في الكرة الأرضية يستعمل ثلاث أبجديّات، وأربع لغات. هل هو موجود؟ إذا لم نعسّر ولا نيسِّر؟

ما اللّغات التي يجب إسقاطُها، إذن، من أجل تيسير التّدريس داخل المدرسة؟

يجب أن تكون الأشياء مقعَّدَة ومقنَّنَة. عبد ربّه الماثل أمامكم الآن، قلت لك إنّي في ظروف خاصّة، وربّما لأن عندي محبّة كبيرة للّغات، أكتب بالعربية والفرنسية، واليونانية طبعا، والإسبانية، والإنجليزية، والآن أتعلّم الألمانية؛ لأن هذا شوق قويّ لكن ليس معناه أنّ هذه الثّقافة التي وهبتها، أو وهبنيها الله، سنجدها عن الجميع. وستكون عند أفراد هكذا، يمكنهم أن يصلوا إلى خمس وستّ لغات أو ما شاؤوا.

لكن، عندما نتكلّم عن المؤسّسة، وعن برامج التّعليم، كيف سيخرج هذا التّلميذ؟ وكيف سيكون في أسرته، ومع أبويه؟ ومع ثلاث أبجديات، وأربع لغات، أعتقد أنّنا نطلب المستحيل. ومن يمكنه هذا على الصّعيد الفردي فله ذلك، وهو حرّ فيه.

ما موقع اللغة الأمازيغية في المدرسة المغربية بالنسبة إليك؟

بالنسبة إلى اللّغة الأمازيغية أقول إنّ هناك طريقَين: طريق التّعسير وطريق التّيسير، وطريق التّبشير وطريق التّنفير. شخصيّا، أسأل الكثير من الأصدقاء: هل أقبلتم على تعلّم حرف تيفيناغ، فيقولون لا. إمّا ليس عندهم الوقت، أو ليست عندهم الرّغبة، أو يقولون ماذا سنقرأ بهذا الحرف، إلى آخره.

وأقول خدمة لهذه اللغة، ووالله أعتبر نفسي من أكبر المدافعين عنها، بخلاف بعض الوجوه التي تعتبر أنّها تدافع، في حين هي تهدم من الأساس هذه اللغة. وهم بالنّسبة إليّ أعداء الأمازيغية. وتَعرِفُ لمن أرمز. لأنّهم ينفِّرون النّاس منها بأقوالهم الهوجاء، وما إلى ذلك. وتعرف هذا، ولا داعي لنرجع إليه.

إذا بعيدا عن التّحكيم الملكي السّابق في هذا الموضوع، واختيار حرف تيفيناغ بعد ذلك لكتابة الأمازيغية، يجب إعادة مساءلة الأبجدية التي تكتب بها هذه اللغة؟

أعتقد بأنّ بعد مرحلة تجريبية، نرى ما سيقوله الناس بعدها. بالنسبة إلي رأسي امتلأ، فكيف سأضيف حرفا آخر؟ وثمّ بعدما تحدّثت عن "El castellano sin pena" و "Le français sans peine"، بالنسبة إلي اسم كتاب "أربعة وأربعون درسا في اللغة الأمازيغية" لمحمد شفيق هو "الأمازيغية بلا مشقّة". لو رأيت كم تعلَّمت من هذا الكتاب، لأنّه بالحرف العربي.

لا ضرر في ذلك ولا ضِرار. لغات كثيرة وكبيرة وعالَمية، تُكتَب بهذا الحرف. الفارسية إلى يومنا هذا تكتب بالعربية، والأردية كذلك، والكردية، والسّواحيلي في إفريقيا، ولغات أخرى تكتب بالحرف العربي. لم سنناصب العداء لهذا الحرف، ونغضّ عنه الطّرف؟ وإذا فعلنا ذلك سنؤدّي ثمن ذلك غاليا، لأن النّاس سينفُرون. اجعلها بالحرف العربي وأنا مستعدّ… وتجربتي تدلُّ على أنّ هذا الاختيار ربّما هو الصّائب.

عودة إلى القانون الإطار، وحديثه عن الحفاظ عن مكانة العربية، هل يمكن أن يكون هذا العنوان صادقا دون تدريس بهذه اللغة وتفعيل لمختبرات البحث فيها؟

يجب أن نقوم بالتّاريخ المقارن، والمنهج المقارِن. كان عندنا ثلاثة عشر برنامجا، وثلاث عشرة خطّة لإصلاح التّعليم. وكنت أتمنّى لو أنّ الوزير السابق خالد الصّمدي قد قام بدراسة مقارنة لكلّ هذه المحاولات الإصلاحية، لأخذ العبرة أوَّلا، لينظروا حيث كبَونا وفَشِلنا، وحيث نجحنا. وهو العمل الذي لم يتمّ.

ثمّ هناك نوعٌ من الشّرخ، بين هؤلاء الإخوان الذين نكنّ لهم كلَّ التّقدير وكلَّ الإعجاب على هذه المجهودات الكبيرة التي يبذلونها؛ ولكنَّهم يعملون في منأى عن الباحثين والمفكِّرين والفلاسفة، وهم موجودون. ويستغنون عنهم استغناء كبيرا، وهذا لا يليق.

مثلا، بالنسبة إلى هذا البرنامج، الذي قلتُ في بداية الحوار نرفع أكفّ الضّراعة، وندعو له بالتّوفيق، والأشياء ستسير لأن القانون صادر الآن في الجريدة الرّسمية، ولكنّ المثل يقول: "عند الامتحان يعزّ المرء أو يهان". ويمكن خلال المسيرة أن نصحّح بعض الأشياء، وبعض المفاهيم، وبعض ما رأينا أنّه غير قابل للتّحقيق. يجب أن يكون هذا الموقف النّقدي والنّقد الذّاتي شيئا قائما ومعمُولا به، وإلّا أخاف، ويتخوّفَ النّاس أن ينضاف هذا القانون الإطار إلى ما تحدّثنا عنه.

من برامج إصلاح التّعليم السّابقة..

يمكن أن تكون هناك صعوبات، ثمّ هناك الأجندة ورزمانة ستّ سنوات، وهو ما أعتبره… اللهم إذا أصبحت معجزة، وهناك تقرير أممي يقول إنّ المغرب في حاجة إلى معجزة ليصلح منظومته التّعليمية، فإذا كانوا سيأتون بمعجزة أهلا ومرحبا بهم.

هل ستؤدّي اختيارات القانون الإطار إلى التّمكين للّغة الفرنسية على حساب اللغة العربية في التّعليم؟

لا يعقل أن يحدث هذا، فكأن تقول لي سنغلّب في فرنسا العربية على الفرنسية، أو أن نغلّب في إنجلترا العربية على الإنجليزية. وهذا شيء غير مقبول شرعا وعقلا. أمّا أن تكون هناك مجزوءات تدرّس بالفرنسية أو بالإنجليزية فللضّرورة أحكام كما يقال، ولم لا.

يتحدّث نصّ القانون الإطار عن تدريس موادّ كاملة وتخصّصات بغيرِ العربية...

لا يمكن التّقرير بهذه الطّريقة، فلسنا وحدنا على الخشبة. هناك أطراف، هي التّلاميذ وهل سيتقبَّلون هذا، والآباء، والجمعيات، والمجتمع المدني، والأحزاب، وهذا ليس أمرا سهلا. وقضية الفرنسية لن نفرِّطَ فيها، لأنّ قل ربّ زدني علما، وقل ربّ زِدني لغة. لنمشِ بهذا العنوان. ثمّ رحابة الصّدر؛ لكن لا يجب أن يكون ذلك على حساب ما يمكن أن يعتبر، ويلزم أن يُعتبَر النّخاع الشّوكي والعمود الفقري لذواتنا، ألا وهو هذه اللغة، وكلّ اللغات واقفة على أساس.

عندما يقول ألبير كامي: "إنّ اللغة الفرنسية موطني"، الله الله، هو حلال عليه، وإذا قلناها عن اللغة العربية حرام؟ أو عندما يقول الراحل الشاعر العظيم محمود درويش: أنا لغتي. ولكن لا يجب أن نقوم بحرب أهلية على الصّعيد اللُّغوي. وهذا لا يلزم. عندنا ثوابت ومرتكزات يجب أن نحافظ عليها؛ لأنّها تمتدّ بجذورها في التّاريخ العميق، ولم تسقط كما نقول في الفرنسية "De la dernière pluie". وتقوية الطّلبة في اللغات شيء محمود، ومطلوب، ولا بدّ أن نعمل من أجله.

شارك هذا المقال: