خلدون: تتويجي بالذهب في لندن اعتراف للتشكِيل المغربيّ بالريادة

خلدون: تتويجي بالذهب في لندن اعتراف للتشكِيل المغربيّ بالريادة

حازَ الفنان التشكيلي المغربي بوشعيب خلدون جائزة أحسن عمل عالمي عربي في ملتقى لندن الدولي، المنظم من طرف مؤسسة "مجموعة العرب"، صنف المدرسة التجريدية، عن لوحته "محمد". عن هذا الفوز، وعن رؤيته لواقع الفن التشكيلي المغربي، يتحدّث الفنان التشكيلي المغربي في الحوار الآتي:

ماذا يمثل لك الفوز بجائزة أحسن عمل عالمي عربي في ملتقى لندن الدولي؟

الفوز بأحسن عمل عالمي بلندن في المسابقة والملتقى الذي تنظمه the arabs group هو تكليف أكثر منه تشريف، ومحطة من محطات الاستمرار في الإبداع والبحث والتجديد. وبالنسبة لي، فهذه الميدالية الذهبية والتوشيح في لندن اعتراف للفن التشكلي المغربي بالريادة والتميّز. وأنا أمثل جيل الشباب الذين لهم مكانتهم الاعتبارية داخل الحقل التشكيلي المحلي والعربي والعالمي، وكل منا يقوم بأدواره وبعمله الذي نرجو منه الاستمرار لما بناه روادنا الأوائل الذين يرجع لهم الفضل في ما نحن عليه الآن، سواء بأعمالهم أو بتدريسهم لنا أو بتعريفهم بفنوننا في كل المحافل الدولية.

يبقى للميدالية الذهبية طعم خاص وشعور بالفرح وأنت ترفع اسم المغرب في محفل عالمي يحتفي بالفنون العربية، وهكذا يكون اسم المغرب بارزا مع مجموعة من الفنانين الذين شاركوا وتُوِّجوا كذلك.

ما سر اختيارك "محمد" عنوانا للوحتك؟

في الحقيقة لم أختر للمسابقة لوحةَ محمد الفائزة بالجائزة، ولو أنها كانت قد صُنفت من قبل واحدة من أهم الأعمال العشرة العالمية، ولكنني أرسلت للمنظمين مجموعة من أعمالي فكان اختيارهم لوحة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما كنت متيقنا منه لأن العمل، بغض النظر عن الاسم، يحمل كل الخصائص الفنية والإبداعية، وهو متكامل فنيا وتقنيا، والأسلوب الذي اشتغلت به جديد وحداثي، مع جعل الموضوع واللون يتماشيان في تناسق تام مراعاة للجانب الجمالي.

وقبل هذه المشاركة، قام أحد الكتاب والنقاد العراقيين، وهو خيري عباس، بالكتابة عن اللوحة والاحتفاء بها، وكذلك كتبت إحدى الشاعرات العراقيات قصيدة مطولة عنها، وهو ما جعل لها خصوصيات وحضورا وتميزا.

إن المشاهد للعمل سيرى فيه نوعا من التميز والسلاسة، وهذا العمل هو استمرار لأسلوبي الفني الذي أشتغل عليه منذ سنوات، وهو توظيف "الحروفيات" في العمل التشكيلي بطريقة جديدة ومبتكرة، بعيدا عن النمطية والاستنساخ لما هو كائن.

وقد كتب خيري عباس، في قراءة تحليلية طويلة ومعمقة للعمل، قائلا: "تمكن الفنان التشكيلي المغربي بوشعيب خلدون من إنجاز عمل فني أقل ما يقال عنه إنه رائع، وإنه لجدير بالوقوف عند محرابه لبعض الوقت، ويتوقف هذا الوقت تبعا لثقافة ووعي المشاهد للوحة، والمطلع الآني لها؛ ذلك أن ضربة المعلم (الفنان) بلغت ما تروم إليه بإتقان. واللوحة على بساطتها للبعض، وتوغلها بعيدا في الذائقة للبعض الآخر القليل، وهذا ما متفق عليه؛ ذلك أن النخبة قليلة في محافل الإبداع ومعارضه وأماسي الأدب عموما... والحضور لصالات عرض الفن السابع وحتى عروض الموسيقى وعروض الباليه وربما هناك الآلاف ممن لا عهد لهم بأي معرفة على صغرها بشوبان العظيم. ورغم هذا ليس من ابتأس، ولا ذاك يفد في قيمة وأهمية العمل الفني المنجز".

سبب نزول اللوحة هو أنه خلال الحملة التي كانت ضد الرسول الكريم، وخصوصا ما قامت به مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية من نشر رسومات معادية لرسولنا الكريم، كان لزاما علينا كمبدعين الإجابة، بطرق حضارية، في نهج اتخذته وهو أن يكون فني ملتزما ومدافعا في الوقت نفسه عن قضايا الوطن والأمة، وهي رسالة حضارية وحوار متمدن للإجابة عن الأسئلة المطروحة راهنا، وهو ما أقوم به حتى في قضية وحدتنا الترابية. فالفنان دائم الارتباط بهموم الوطن والأمة.

هل كنت تتوقع أن تفوز لوحتك بهذه الجائزة؟

بنسبة تسعين في المائة، كَوْني كذلك ناقد للأعمال الفنية وأعرف خباياها؛ فقد كنت متيقنا بهذا الفوز رغم هامش الترتيب، أي ربما تكون مفاجأة، وهي احتمال وارد في كل المسابقات.

الإيمان بالشيء وبالعمل هو ما يعطيك الثقة في النفس، وعندما نتوِّج أنفسنا ونحتفي بأعمالنا ونكون صادقين ولنا رؤية فنية واضحة ومسار متميز مبني على البحث والتجديد والاستمرارية والتواصل مع الآخر والاعتراف، فكن متأكدا من أنّ أي عمل نقوم به سيكون له الأثر على المتلقي والناقد على حدّ سواء.

إنها معادلة توظيف مخزوننا الفكري والمعرفي والعلمي في الفن، وهذه المعادلة تعطي دائما صورة متكاملة، هي ما أسمّيه بالبناء الذي يُبنى على أسس وليس اعتباطيا.

هناك من يعتقد أن مجال الفن التشكيلي مجال خاص بالأغنياء.. هل تتفق مع هذا الطرح؟

الإبداع لا يقتصر على غني أو فقير، بل هو كيفية تدبير هذا الإبداع وكيفية مواصلة المسيرة. فرغم الإكراهات التي يعيشها الإنسان الفقير، وأنا واحد من الفقراء، لكي لا أقول العكس، تبقى العزيمة والإرادة والإصرار هي رأس مال المبدع الحق.

في شق أنه مجال خاص بالأغنياء هو نسبيا متفق عليه؛ حيث يتم الاحتكار وتنتشر الفوضى ويكون المنتوج الفني ضعيفا ولا يرقى إلى مستوى اللغة التشكيلية، وهي حالات موجودة، لكن هذا ليس معناه أن نستسلم، بل بالعكس علينا مواصلة العمل والبحث عن آفاق أخرى وفضاءات أخرى تؤمن بالإبداع فقط وليس أي شيء آخر. يبقى أنه لا يمكن للإنسان العيش من أعماله، لذلك يجب أن يجد مصادر عيش أخرى لمواصلة الإبداع والتميز، وهذا هو الحل الوحيد لدينا في غياب دعم جاد لا تمييز فيه.

كيف ترى مستوى الفن التشكيلي في المغرب؟

الفن التشكيلي في المغرب يعرف حركية هامة ومشجعة ومتميزة تأتّت بفضل مجهودات شخصية لكل المبدعين قبل أن يخرج الدعم إلى حيز الوجود، وهو دعم سبق وقلت رغم أننا نادينا به مرارا، لكنه يحب إعادة النظر فيه لإعطاء الكل حقه وتشجيع المبدعين على مواصلة المسيرة ومساعدة من يمثل المغرب خارج الوطن ولمَ لا إحداث لجنة لوضع الملفات لاستقبال طلبات آنية ودراستها والاستجابة فورا لها.

هناك معارض خارجية تمتد على طول السنة يشارك فيها فنانون يمثلون المغرب ويتحملون نفقاتها، كما هو الشأن بالنسبة للمشاركين في ملتقى لندن الدولي الهام، والأمثلة كثيرة. ورغم الملاحظات والمؤاخذات، فإن فنوننا تمضي في الاتجاه الصحيح، ولا ننسى الرعاية الملكية لكل الفنانين، وما تأسيس متحف محمد السادس بالرباط والمركبات السوسيوثقافية والمسارح الكبرى ورعايته لكثير من الملتقيات الفنية إلا اهتمام خاص منه. يبقى الدور على المسؤولين لأخذ العبر وعدم توظيف الفن لخدمة سياسات مؤقتة، بل أن يكون في البرامج الحزبية كذلك، وتفعيلها دون أن يكون الفنان مرتبطا بحزب ما، فخصوصية الفنان في استقلاليته.

ما هي رسالتك إلى الشباب المغربي الذين لهم مواهب في مجال الفن التشكيلي؟

على كل شاب موهوب أن يؤمن بالقدرات التي منحها الله إياه وأن يتشبث بها إلى أبعد الحدود دون أن ييأس أو يتوقف في أول عقبة تعترضه، لأنه في هذا الميدان الشائك والمليء بالسماسرة كذلك والدخلاء لابد أن نكون أقوياء بالممارسة والقراءة، ونؤمن بأنّ كل نقطة وصول هي بداية، وأن البحث هو أصل الشيء، واستثمار كل الفرص التي تتاح مهما كانت صغيرة لإثبات الذات.

الآن، ولله الحمد، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي متاحة للجميع، ومن خلالها ننشر أعمالنا ونتواصل مع الآخر، سواء في الوطن وخارجه. وآخر كلماتي للشباب هي أن قيمة المرء في ما يحمله في فكره وهو زاد يتقوى كلما تقوت معارفه ومداركه.

في الختام أشكر جريدة هسبريس الإلكترونية على اهتمامها بالمبدعين كافة، وأهدي هذا التتويج إلى الملك محمد السادس وإلى عموم الشعب المغربي والعربي والإسلامي.

شارك هذا المقال:
  • لمناقشة آخر الأخبار مع أصدقائك و تتبع جرائدك المفضلة، سجل الآن!


    إحتراما لخصوصيتك لا نضع أي معلومات على فايسبوك.