الكنبوري: "إخوان بنكيران" يروجون تهمة التحكم لبلبلة المغاربة

الكنبوري: "إخوان بنكيران" يروجون تهمة التحكم لبلبلة المغاربة

قال إدريس الكنبوري، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية والشأن الديني، إن اتهام الشيخ عبد الكريم مطيع لحزب العدالة والتنمية بالرغبة في اختراق الديوان الملكي "يتضمن نوعا من المبالغة غير المبررة؛ لأن حزب العدالة والتنمية يشتغل ضمن إطار المشروعية".

وعن مصطلح التحكم الذي سكه بنكيران، اعتبر الكنبوري، في الجزء الأول من حواره مع هسبريس، أن مشكلة هذا المفهوم فضفاض بحيث يمكنك أن تدخل تحته أي شيء. وهذه هي خطورته؛ لأنه مفهوم شمولي كلياني يلعب على عنصر التشويش والمباغثة، ويحاول محاصرة الرأي العام في زاوية ضيقة.

اتهم عبد الكريم مطيع، زعيم الشبيبة الإسلامية، حزب العدالة والتنمية بالرغبة في اختراق الديوان الملكي والالتفاف على مركز القرار والتحكم فيه. إلى أيّ حد هذا الكلام صحيح؟

أعتقد أن في هذا الكلام وجهين: الوجه الأول يرتبط بالشيخ مطيع نفسه؛ فقد كان أول من أنشأ تنظيما إسلاميا له مشرب مشرقي في عقد الستينيات، وكانت له ميولات انقلابية مستوحاة من أدبيات الإخوان المسلمين في مصر وسوريا بوجه خاص، وهو من وضع برنامجا تربويا ومشروعا دعويا في صفوف بعض الشباب المغاربة الذين التحقوا بتنظيمه، منهم بعض مسؤولي حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح اليوم. وكان هذا البرنامج يؤمن بالفكرة الانقلابية؛ وهي فكرة، بالمناسبة وحتى أكون دقيقا وموضوعيا، كانت منتشرة في مختلف التيارات، سواء كانت قومية أو اشتراكية أو إسلامية. هذه الفكرة الانقلابية كانت تتحرك في مجال سياسي خارج دائرة الحكم والسلطة، بمعنى أنها كانت موجودة لدى جماعات وتيارات لا تؤمن بالمشاركة السياسية وتعتبر الدولة كافرة أو رأسمالية كومبرادورية أو غير ذلك من الشعارات التي كانت شائعة.

أما كلام الشيخ مطيع اليوم، وهذا هو الوجه الثاني، فهو عن الفكرة الانقلابية من الداخل، من داخل دوائر الحكم والسلطة؛ فهو يحاول أن يتهم حزب العدالة والتنمية بالتخطيط لإزاحة المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، وبالتالي إزاحة المحيط المقرب من الملك للإطاحة بالمؤسسة الملكية.

وأعتقد أن هذا الكلام فيه نوع من المبالغة غير المبررة؛ أولا، لأن حزب العدالة والتنمية يشتغل ضمن إطار المشروعية. وقد تم اختباره في العديد من المحطات السياسية في البلاد، بمثل ما تم اختبار اليسار في الماضي. وثانيا، لأن المؤسسة الملكية في المغرب ليست بهذه الصورة التبسيطية، فهي مؤسسة متجذرة ليس فقط كقطعة من التاريخ الوطني؛ بل متجذرة أيضا في المخيال الجماعي للمغاربة. والقول بأن تنظيما سياسيا معينا لديه القدرة على تهديدها فيه كثير من التجني على تاريخ المغرب وعلى هذه المؤسسة. كما أن فيه استهانة بالمغاربة، فحزب العدالة والتنمية لا يمثل إلا شريحة صغيرة جدا من المواطنين. والمشروعية التي يحظى بها لدى هذه الشريحة هي مشروعية قانونية لا دينية أو سياسية، بالمعنى الخاص للسياسة، أي القدرة على تمثيل الضمير الجماعي للمغاربة.

لكن ربما كان مطيع يتحدث عن الصراع السياسي، وليس عن الإطاحة بالملكية بالمعنى المباشر؟

أعتقد أن جزءا من كلام الشيخ مطيع فيه مصداقية، إذا أخذنا الأمر في سياق التنافس السياسي بين حزب العدالة والتنمية وبين خصومه. أعتقد أن الرهان الأساسي لأي حزب سياسي في المغرب، بعد رهان الحكم، هو رهان القرب من المحيط الملكي ونيل الحظوة الملكية. بمعنى أن المؤسسة الملكية ليست جزءا من رهانات الأحزاب السياسية؛ ولكن محور رهاناتهم. لقد لاحظنا، خلال السنوات الخمس الماضية من عمر الحكومة الحالية، أن رئيسها عبد الإله بنكيران كان كثيرا ما يوظف اسم الملك في صراعاته مع خصومه. والحقيقة التي لا ينتبه إليها الكثيرون هي أن بنكيران هو أول رئيس حكومة في تاريخ المغرب منذ الاستقلال يستعمل اسم الملك بكثرة في خطاباته وتصريحاته وحواراته، وحتى في كلامه الشخصي؛ فقد استعمله مئات المرات، بحيث انتقلنا من مفهوم "حكومة جلالة الملك" التي كانت سائدة مع الحكومات السابقة قبل التناوب عام 1998 إلى "حزب جلالة الملك"؛ ذلك أن رهان الحزب الرئيسي هو نيل الحظوة الملكية، وإزاحة كل ما يمكن أن يصل إلى الملك ويسيء إلى صورة الحزب لدى المؤسسة الملكية. ولذلك، فإن مبالغة بنكيران في استعمال اسم الملك هي نوع من رد الفعل السيكولوجي على مخاطر محتملة، مؤداها أن المؤسسة الملكية يمكن أن تكون غير راضية على الحزب. ومن هنا، لعبة الضحية التي أجادها الحزب خلال ولايته الحكومية بإتقان؛ فهناك حالة من الخوف الوهمي من أن الحزب لا يزال يعيش في مناخ غير طبيعي.

وما يفسر هذا أنه بالرغم من أن الحزب احتل الرتبة الأولى في الانتخابات الماضية بفارق كبير عن منافسيه وأصبح مدعوما بشرعية ديمقراطية ودستورية، فإنه لا يزال يفتقد الثقة في النفس. والسبب في ذلك، في اعتقادي، هو أنه ينظر إلى العملية السياسية في البلاد على أساس أنها لا تمثل مناط الشرعية الحقيقية، وأن القرب من المؤسسة الملكية ونيل حظوتها يفوق الشرعية الانتخابية. ومن هنا، صراعه مع المحيط الملكي؛ لأنه يرى في ذلك المحيط حجابا، من جنس الحجاب الذي كان موجودا في البلاط الإسلامي في القديم ويحول دون القرب من السلطان.

هل مصطلح "التحكم" مصطلح سياسي مغربي أو هو مصطلح وافد؟

لقد بات هذا المصطلح شائعا شيوعا واسعا في الحياة السياسية المغربية خلال السنوات القليلة الماضية؛ وهو ما أسهم في كثير من الخلط، خصوصا لدى الرأي العام الذي ساير هذه العبارة، لأن العموم ليس من صلاحياته تمحيص المسائل؛ ذلك أن بعض المفاهيم في الحياة السياسية، في كل بلد، يكون لها بعد سيكولوجي. وإن المفاهيم من هذا النوع لا تخضع في الغالب للعقل والتفكير الهادئ؛ لأنها تندرج ضمن سيكولوجيا الجماعات، حيث تكون وظيفتها تحريك الجماهير وليس توعيتها. وقد تحدث المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون، في كتابه "سيكولوجيا الجماهير"، عن هذه المسألة في القرن الثامن عشر، مستفيدا من خبرة الثورة الفرنسية التي مات فيها الكثيرون بسبب إطلاق الاتهامات الجزافية والمفاهيم المتعلقة بسيكولوجيا الجماعات.

لقد وظف حزب العدالة والتنمية هذا المفهوم توظيفا خطيرا جدا؛ بل إنني أقول صراحة إنه استعمله بطريقة تعري نواياه في خلق البلبلة السياسية وخلق تقاطب سياسي ثنائي بينه وبين خصومه، بمختلف انتماءاتهم. وهذا يشبه ذلك التقسيم الثنائي عند المجوس بين إله الشر وإله الخير، بحيث ليس لك اختيار بين الاثنين، بحيث أسهم ذلك في خنق الحياة السياسية وحتى الحياة الثقافية في المغرب.

فقد أصبح الحزب ينظر إلى أي انتقاد يوجه إلى الحكومة أو إليه بوصفه تأييدا لما يسميه التحكم، فأنت إما معه وإما أنت ضده. والمشكلة هي أن هذا المفهوم فضفاض، حيث يمكنك أن تدخل تحته أي شيء. وهذه هي خطورته؛ لأنه مفهوم شمولي كلياني يلعب على عنصر التشويش والمباغثة، ويحاول محاصرة الرأي العام في زاوية ضيقة، ثم هو مصطلح مراوغ إلى حد كبير.

كيف؟

نلاحظ أن حزب العدالة والتنمية وظف هذا المصطلح إبان أحداث الربيع العربي، في مواجهة حزب الأصالة والمعاصرة وفؤاد عالي الهمة. وعندما فاز في الانتخابات وأصبح الهمة مستشارا ملكيا أسقط الحزب اسمه وأخذ يوظف المفهوم ضد حزب الأصالة والمعاصرة فقط. وعندما خرج حزب الاستقلال من الحكومة استعمله بنكيران ضده، ثم استعمله ضد التجمع الوطني للأحرار وصلاح الدين مزوار. وعندما أصبح التجمع في الحكومة أسقط حزب العدالة والتنمية اسمه من التحكم. فهنا، نلاحظ أن الحزب وظف ذلك المفهوم في مواجهة خصومه بحسب كل معركة سياسية، وبحسب الظروف.

وفي الوقت نفسه إن مصطلح التحكم، نظرا لطابع المراوغة الذي يتسم به، يمكن أن يصلح أداة للتهرب من مواجهة المسؤوليات. وهذا ما حصل أيضا مع حزب العدالة والتنمية، فالأمور التي أنجزها كان ينسبها إلى الحكومة، والأمور التي لم يستطع إنجازها كان يحمل المسؤولية فيها للتحكم.

لكن ما هو هذا التحكم؟

وهنا، تقع المشكلة، فليس له تعريف محدد؛ بل الأكثر من ذلك أنه مفهوم ليس له تحيز مكاني. في الماضي، عندما كان اليسار يتحدث عن المخزن مثلا كان يتحدث عن مفهوم له تحيز مكاني، هو مؤسسات الدولة بشكل عام، والمؤسسات لها تحيز مكاني، وعندما كان اليسار يتحدث عن وزارة الداخلية ويصفها بأم الوزارات كان يتحدث عن مؤسسة لها تحيز مكاني، وعندما استعمل عبد الرحمان اليوسفي مصطلح جيوب المقاومة في حكومة التناوب كان يتحدث عن دوائر معينة داخل السلطة أو داخل وزارة الداخلية، أي عن أشياء لها تحيز مكاني؛ لكن مصطلح التحكم مجرد عبارة عائمة، فهي مثل الهواء، يوجد في كل مكان ولا يوجد في مكان معين في الوقت نفسه. وهذا هو مصدر الخلط.

ألا ترى أن المقصود بالتحكم هو الدولة العميقة؟

مفهوم الدولة العميقة مفهوم سياسي متعارف عليه في جميع أنحاء العالم، لأنه جزء من البنية البيروقراطية للدولة. عندما يتدخل الرئيس الفرنسي مثلا في القضاء من أجل عدم التضحية بالمصالح الفرنسية في الخارج مع دولة معينة، أو عندما يتدخل الرئيس الأمريكي جورج بوش من أجل حفظ جزء من التقرير حول تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر الذي أعده الكونغرس، المنتخب ديمقراطيا، حتى لا يهدد علاقات بلاده مع المملكة العربية السعودية. في مثل هذه الحالات، فإن القرار لا يصدر باحترام للمؤسسات الديمقراطية المنتخبة؛ بل يصدر عن جهاز آخر يوجد خلف تلك المؤسسات، جهاز يشتغل ضمن مفهوم واسع وفضفاض يعطي للدولة كمؤسسة بيروقراطية هامشا أوسع، هو مفهوم "المصلحة العامة" أو العليا. وكلمة عليا هنا لها دلالة سياسية أيضا، أي فوق المؤسسات القائمة وخارج الأطر القانونية المعمول بها؛ فالدولة العميقة موجودة في كل مكان.

أما مصطلح التحكم، فهو -كما قلت- مصطلح فضفاض، إنه مثل مفهوم المصلحة العليا بالنسبة إلى الدولة؛ لكنه هنا مفهوم يخدم مصالح حزب سياسي معين، إنه مصطلح "تسحيري"، من السحر، هدفه أيضا هو التحكم في عقول الناس ودفعها إلى تبني خطاب سياسي معين لطرف سياسي معين. وأقتبس هنا هذا المفهوم من الفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه، الذي تحدث عن "تسحير العالم"، أي الخضوع لقوة ميتافيزيقية تجرد الإنسان من التفكير العقلاني ومن تفسير العالم على أساس منطقي. فمصطلح التحكم ولد سياسيا؛ لكنه أصبح ذا قدرة على التحكم السيكولوجي، حتى بالنسبة إلى جزء من النخبة. إن هدفه هو خلق نوع من الدعاية أو البروباغاندا التي تصبح حقيقة في الأذهان ويسايرها الجميع على أنها كذلك فعلا. وهذا يذكرني بما سماه المفكر الروسي سيرج تشاخوتين، في كتابه "اغتصاب الجماعات عن طريق الدعاية السياسية"، معادلة خمسة آلاف مقابل خمسة وخمسين ألفا، عندما كان يدرس طرق الدعاية لدى هتلر. وتتلخص هذه المعادلة في أنك حين تسلط آلتك الدعائية على خمسة وخمسين شخصا، فإن خمسة آلاف فقط هم الذين سيتصرفون بشكل عقلاني ولا يخضعون للسلطة التحكمية للدعاية؛ ولكن خمسين ألفا ستنطلي عليهم اللعبة ويصبحون بدورهم جنودا يخدمون أغراضك بطريقة غير مباشرة. ويوضح تشاخوتين أن هتلر نجح في غسل أدمغة الألمان عن طريق توظيف جيش من المدربين على الدعاية، وهم ما يطلق عليه اليوم في المغرب "الجيش الإلكتروني"، أي أشخاص مجندون فقط لتجييش مشاعر العامة و"تسحيرهم" عن طريق خلق مفاهيم افتراضية غير واقعية تصبح هي الواقع، بحيث يسيطر الافتراضي على الواقعي.

شارك هذا المقال: