عبد الله لعماري: المغرب يحتاج قادة سياسيين ينشرون الحكمة والوئام

عبد الله لعماري: المغرب يحتاج قادة سياسيين ينشرون الحكمة والوئام

قال عبد الله لعماري، عضو الأمانة العامة لحزب النهضة والفضيلة، إن حزبه بقي كما كان عليه الحال بالرغم من خروج مجموعة من السلفيين والتحاقهم بأحزاب أخرى

عن التحالف الحاصل بين حزب النهضة والفضيلة وحزب الأصالة والمعاصرة مع الابتعاد عن حزب العدالة والتنمية بالرغم من الاشتراك في المرجعية، أرجع لعماري التحالف مع "البام" إلى أنه قائم على أساس "الفضيلة السياسية" مبررا ذلك بالقول: "لنا في مرجعيتنا الإسلامية خير سند، أليس الرسول صلى الله عليه وسلم قد زكى حلف الفضول، فكيف والأحزاب المغربية تتقاسم المشترك الديني والوطني والسياسي".

أما عن التباعد الحاصل بين النهضة والفضيلة وبين "البيجيدي"، فقال لعماري إن "البيجيدي هو الذي يملك المفاتيح الكثيرة لتحقيق التعاون والتقارب؛ لكن للحقيقة وللتاريخ، لم يسبق لهذا الحزب أن التفت ولو بطرف خفي لليد الممدودة التي يمدها إليه حزب النهضة والفضيلة".

كما تحدث لعماري، العضو السابق في الشبيبة الإسلامية، في حوار مع هسبريس، عن دعوة إلياس العماري إلى مصالحة وطنية شجاعة... وعن أشياء أخرى تكشفونها في هذا الحوار:

تزامنت مرحلة الإعداد للانتخابات الأخيرة مع انسحاب بعض وجوه التيار السلفي من حزبكم والالتحاق بأحزاب أخرى، وبالتحديد حزب الاستقلال. هل هذا هو ما أثر سلبا على الحصيلة الانتخابية لحزبكم يوم السابع من أكتوبر؟

عكس ما ضخمته بعض وسائل الإعلام من أن نزيفا حصل بحزب النهضة والفضيلة وأن بعض وجوه السلفية غادرت الحزب؛ غير أن الحقيقة هي خلاف ذلك، فالتنظيم الحزبي لم يعرف أي نزيف، وبقي على أحواله العادية ويسير حسب وتيرته العادية، والذي انسحب من الحزب ليس التيار السلفي، فلا وجود لهذا التيار في الحزب، لأن السلفيين الذين التحقوا بالحزب والذين ما زالوا يلتحقون يندمجون في الحزب ويتخلصون تبعا لذلك من هذا التوصيف، والذي انسحب وحده هو محمد عبد الوهاب رفيقي الشهير بأي حفص، وقدم استقالته للأسباب التي أثارها هو في تصريحاته التي أعلنها للإعلام وللرأي العام، والتي لخصها في ضعف الإمكانات المادية إلى درجة انعدامها. وإن انسحابه لم يؤثر على الحزب، كما أن بقاءه لم يكن ليؤثر على الحصيلة الانتخابية، لا بالسلب ولا بالإيجاب، لأن المؤثرات هي من طراز آخر، ولها اعتبارات أخرى.

وما هي هذه المؤثرات التي تصنع الحصيلة الانتخابية للأحزاب؟

الذي يصنع الخارطة الانتخابية في هذا البلد، ويحول بعض الأحزاب إلى عمالقة ويمسخ البعض الآخر إلى أقزام هو الحيف والجور التي تمارسه الدولة وقوانينها وأعرافها في إدارة المنافسة الحزبية والانتخابية. إن الحزب هو مؤسسة دستورية، ولكن هذا الوصف لا ينطبق إلا على بعض الأحزاب التي تستفيد صناديقها وميزانياتها من ملايير الدولة، بينما هناك أكثر من 20 حزبا يلقى إليهم بالفتات الذي لا ينفع حتى في تسديد تكاليف تسيير المقرات الرئيسية. ولهذا، فحينما يحقق حزب حصيلة 125 مقعدا نيابيا كحزب العدالة والتنمية، فليس لأن هنالك اعتبارات سياسية أو أيديولوجية أو اجتماعية فتلك تبقى جد ثانوية.

والاعتبار الرئيسي هو الترسانة الحربية الهائلة التي يتملكها هذا الحزب في إدارة الصراع، فالنزال السياسي يدار بسلاح المال، فالمال هو الوقود السياسي، وهو محرك الموارد البشرية، ومنظم الهياكل والمؤسسات. ويتوفر هذا الحزب وغيره على ميزانية ظاهرة بالملايير، والباطن حدث ولا حرج. في حين تعاني ميزانيات أكثر من 20 حزبا من الإملاق، بحيث لا تؤدي واجبات أكرية مقراتها إلا بشق الأنفس. وفي الواقع، على هذه الأحزاب، التي كان حظها كحظ الأيتام في مأدبة اللئام، أن تغلق أبوابها وترمي بمفاتيح أحزابها إلى الدولة حتى تجد حلا قانونيا وواقعيا لتنزيل مبدأ تكافؤ الفرص بين الأحزاب السياسية. وإذن، فلا عبرة الآن بالحصيلة الانتخابية للأحزاب؛ لأن هناك قسمة ضيزى.

لاحظ بعض المتتبعين، من خلال كتاباتك وأنت قيادي في الحزب، أن هناك تقاربا ملحوظا بين حزب النهضة والفضيلة وبين حزب الأصالة والمعاصرة، بينما هناك تباعد بينكم وبين حزب العدالة والتنمية، بالرغم من أن الحزبين يتقاسمان المرجعية الإسلامية والماضي المشترك، هل تتهيؤون لصيغة من صيغ التعاون أو الاندماج؟

أولا، كتاباتي تعبر عن تصوراتي وعن قراءتي للأوضاع وتقييمي لتصرفات الفاعلين السياسيين. ثانيا، حزب النهضة والفضيلة وجد ليبقى، لا ليندمج ويذوب، دون أن يمنع ذلك من التعاون مع الأحزاب أو التحالف معها على أساس الفضيلة السياسية. ولنا في مرجعيتنا الإسلامية خير سند، أليس الرسول صلى الله عليه وسلم قد زكى حلف الفضول، فكيف والأحزاب المغربية تتقاسم المشترك الديني والوطني والسياسي؟

أما التقارب مع حزب الأصالة والمعاصرة فليس حديث اللحظة، وليس حادث الأمس، بل هو تقارب ضارب الجذور في التاريخ الأليم المشترك. فنحن، بعض قياديي حزب النهضة والفضيلة وبعض قياديي حزب الأصالة والمعاصرة، تعارفنا في السجون كمعتقلين سياسيين، وتعانقت عائلاتنا حول بوابات السجون، ونامت على الأرصفة أمام هذه السجون. هذا التاريخ الذي لا يفهم روحانيته الانتهازيون والوصوليون المستفيدون من ظلال الأوضاع الراهنة التي أصبحت تصنعها الصناديق بالهدوء البارد والسخاء الحاتمي، الانتهازيون الذين لا يعرفون كيف أن هذه الصناديق أثمرتها وأمنتها الجلود المسلوخة لأصحابها من الأبدان الممزقة في دهاليز التعذيب، للمقاتلين من أجل الديمقراطية، ولا يعرفون شيئا عن الدماء النازفة على الخبز الجاف، والماء غير الشروب، ولا عن الأجساد العارية المعلقة على بوابات عنابر السجون.

ولمن لا يعرف، فحزب النهضة والفضيلة وحزب الأصالة والمعاصرة هي الأحزاب التي تضم في طلائعها القيادية نسبت مهمة من المعتقلين السياسيين لسنوات الجمر والرصاص، نحن من الإسلاميين وهم من اليساريين. وإذن، فنحن وإياهم كمعتقلين سياسيين سابقين متواجدين في قلب الأمانة العامة لحزبينا جمعتنا عذابات الزمن القاتم، وضرائب النضال من أجل كرامة الشعب المغربي ومن أجل العدالة والديمقراطية، وجمعتنا أيضا مسرات المصالحة السياسية الكبرى سنة 1994، وما صاحبها من العفو الشامل عن المعتقلين والمنفيين السياسيين، وركوب قطار الحقيقة والإنصاف والمصالحة.

ولكن تجمعكم مع حزب العدالة والتنمية أيضا عناصر كثيرة، لماذا لا يرى الرأي العام أي تقارب بينكم؟

عليك أن تضع هذا السؤال على حزب العدالة والتنمية، فهو الذي يملك المفاتيح الكثيرة لتحقيق التعاون والتقارب؛ لكن، للحقيقة وللتاريخ، لم يسبق لهذا الحزب أن التفت ولو بطرف خفي لليد الممدودة التي يمدها إليه حزب النهضة والفضيلة، وعلى جميع الأصعدة سواء منها السياسي أو الدعوي، لا على مستواه الحكومي ولا على مستوى هيئاته العاملة، بالرغم من أننا وإياهم ضمتنا رفقة الطريق الدعوي والحركي، ومنا ومن كان وإلى عهد قريب جزءا من قيادة الحزب، سواء في نسخته الأولى الحركة الشعبية الدستورية أو في نسخته الثانية، مثل محمد الخليدي، ومنا من كان في العهد البعيد جزءا من قيادة التنظيم الذي أنجب حزب العدالة والتنمية، وهو تنظيم الجماعة الإسلامية.

وقد كنت ولا فخر ولا أمن على أحد ذلك، عنصرا رئيسيا في تأسيس وقيادة هذا التنظيم سنة 1981، وكنت متفرغا لذلك، في جناحه الرئيسي الدار البيضاء، إلى جانب جناحه الثانوي الرباط، الذي آلت إليه قيادة التنظيم، ثم آلت إليه قيادة المسار الذي أفضى إلى حزب العدالة والتنمية، بعد تفكيك أجهزة الدولة لجناح الدار البيضاء بالاعتقالات والمطاردات سنة 1981 وسنة 1982 وسنة 1983، والتي شملني فيها الاعتقال في جميع محطاتها، سنة بسنة، وما إن كان يفرج عني حتى أصبح من جديد موضوع مطاردة بوليسية وبحث عني.

وإذا جاز لي أن أفتخر بمساهمتي في المسار الذي صنع حزب العدالة والتنمية، مع احتساب ذلك عند الله ،لا ننتظر شكورا من أحد، فقد كنت الوحيد من قيادة هذا التنظيم، مع اثنين من إخواني القياديين، الذين حوكمنا بعشر سنوات سجنا في المحاكمة الإسلامية الأولى سن 1984، وإخواننا الذين كانوا قريبين منا تنظيميا، هم الذين ساهموا ولا يزالون بالقسط الوافر في مسيرة هذا الحزب، فإذا كان لنا هذه التاريخ وتلك المساهمة في بناء هذا الحزب بأعمارنا في السجون فمن الذي ينبغي أن يسأل عن التقارب أو التباعد؟ نحن أم هم؟ بكل صراحة، لم نتلق من قادة هذا الحزب سوى التهميش والإقصاء، والأفدح من ذلك هو المحو من التاريخ، والحديث فقط عن أنفسهم، هم الأنبياء والرواد والفاتحون، مع التشطيب الكلي عن الدور الكبير الذي أدته مجموعة محاكمة الـ71، في صناعة وتشريف تاريخ الحركة الإسلامية بالمغرب.

تحدّثت عن المصالحة السياسية الوطنية سنة 1994.. هل المصالحة التاريخية الشجاعة التي اقترحها في مقاله إلياس العماري، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، تندرج في السياق نفسه أم أنها رسالة لحزب العدالة والتنمية بالصلح؟

في الحقيقة، العقول الصغيرة نظرت إلى فحوى المقالة عند حدود أنفها، أو إلى موطئ قدمها، ولم تخرج من قفص الحسابات الصغيرة، الحسابات الانتخابية، وجشع اقتسام غنائم وغلول الحرب الانتخابية ليوم 7 أكتوبر، ذلك منتهى نظرها؛ فقادة حزب العدالة والتنمية تهكموا على هذه المقالة وعلى صاحبها، واعتبروها دعوة للصلح، وراية بيضاء لسلم اعتبروه سلم المنهزم، وردوا على ذلك بسخرية العجرفة. وعلى فرض أنها كانت دعوة للصلح، أليس التوجيه القرآني الرباني يوصي بأن إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها، الآية 86 من سورة النساء. ويوصي كذلك، إن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، الآية 61 من سورة الأنفال.

غير أن الأمر أكبر من ذلك، فلو كانت هذه المقالة وحدها من أعمال الرجل لكانت وحدها كفيلة بإدخاله التاريخ من أوسع أبوابه. وأهنئه من هذا المنبر على هذا الإنجاز التاريخي، ففي الوقت الذي كان يرسم في سماء المستقبل، بالفكر والفلسفة والنظرية والاستراتيجيا، معالم المغرب الواعد، مغرب أجيال الغد، المبشر بظلال نعيم الإيمان والأمن، كان الآخرون يستهزؤون وينكتون ويعربدون.

إلياس العماري، بذلك النص التاريخي، والذي يستحق أن يوصف بالبيان التاريخي في استراتيجيا السياسة وعمل المجتمع والدولة، كرس نموذج الزعامة السياسية البعيدة النظر. ثم إن هذا النص/ البيان هو خلاصة الفكر والمسار الذي نشأ فيه إلياس ورفاقه؛ فالمصالحة التاريخية الشجاعة التي أعلن عنها إلياس ليست مقالا ونظرية فحسب، إنها مخاض على مستوى الفكر والموقف والممارسة، انطلق في أوساط اليسار المغربي، منذ سنة 1991.

منذ الإفراج عن إدريس بنزكري، كآخر قيادي يساري يغادر السجن بعد العفو عن قادة اليسار السبعيني وإغلاق حي ألف بالسجن المركزي بالقنيطرة، كان النقاش في أوساط اليسار ينصب على دفع النظام السياسي نحو إحلال انفراج سياسي حقيقي بالإفراج العام عن المعتقلين السياسيين، على طريق المصالحة السياسية، مقابل قبول اليسار بالوجود القانوني في اتجاه النضال الديمقراطي عبر المشاركة السياسية. ومن قبل، ومن داخل السجون، بلور اليسار موقفا للمصالحة مع الحركة الإسلامية، والاعتراف بجناحها المناضل، من خلال الحوار مع المعتقلين السياسيين الإسلاميين. وكانت نظرية زعيم اليسار أبراهام السرفاتي، في نقل تجربة لاهوت التحرير من أمريكا اللاتينية إلى المغرب.

كان ذلك خلال الثمانينيات، ثم بعد سنة 1999، وحلول العهد الملكي الجديد أعلن السرفاتي انطلاق مشروع مصالحة اليسار مع الملكية، بندائه بالتعاون مع الملك الجديد محمد السادس. وكان إلياس العماري واحدا من الذين يصنعون إلى جانب رفاقه تجسيد هذه المصالحة على الأرض، وبمواصلته العمل الحثيث على إبراز مشروع هذه المصالحة في إطار سياسي. برز دوره جليا رئيسيا، إلى جانب أدوار الفاعلين الكبار، صلاح الوديع، أحمد حرزني، إدريس بنزكري، عبد القادر الشاوي، وما أنتج عن ذلك من خط أيديولوجي تصالحي أفضى إلى إنشاء الحزب السياسي الذي من خلاله راح مؤسسوه، اخشيشن، بنشماس، بنعزوز، بيد الله، وغيرهم، يصالحون بين الأصالة والمعاصرة، أي يصالحون بين قيم المجتمع والنظام، وبين قيم اليسار والحداثة. وإذن، فمقالة المصالحة ليست سوى قطعة تنضاف إلى غيرها في الهيكل المجسم لهذا التوجه.

لكن حزب العدالة والتنمية لا يتقاطع معك الفهم نفسه، وما زال يعتبر البام صناعة للتحكم، وجاء ليواجه الإسلاميين. وأخيرا، نادى القيادي البارز في البيجيدي سعد الدين العثماني بأن على "البام" أن يحل نفسه؟

إذا استمرت قيادة حزب العدالة والتنمية على هذا النهج، فأخشى أن يؤول بهم الأمر إلى المصير الذي عرفته قوى سياسية كبرى في التاريخ، وهو مصير الحل والاندثار؛ فأخطر ما يصيب القوى السياسية من أمراض قاتلة، هو مرض جنون العظمة، ومرض الازدواجية، فكلاهما يعميان الأبصار فيخلقان الأعداء والمؤامرات وكلاهما يذهبان بالمصداقية.

منذ سنوات، وتحديدا بعد أحداث 16 ماي، نادى وطالب وضغط حزب الاتحاد الاشتراكي من أجل حل حزب العدالة والتنمية، وتحميله المسؤولية المعنوية للأحداث، واليوم يبحث هذا الأخير التحالف معه في الحكومة، واليوم لا يترك قادة هذا الحزب شتيمة إلا رموا بها البام وأمينه العام، وينادون بحله، وماذا يقولون غدا لقواعدهم لو صدرت إليهم التعليمات التي يعرفونها جيدا بأن يتحالفوا حكوميا مع البام، هل سيفسرون الماء بعد جهد جهيد بالماء؟

نعم الازدواجية السياسية قاتلة، والتناقض السياسي قاتل، وعقلية أنا أو الطوفان قاتلة، والخطاب السياسي الذي يخلق التشكيك في المشهد السياسي ويخلق الحقد السياسي والعداء السياسي قاتل.

وإذا لم ينتبه قادة حزب العدالة والتنمية، فإنهم سيجدون أنفسهم في ورطة لا يستطيعون الخروج منها، إنهم يشحنون القواعد والأجيال الشابة التي لا تعرف إلا الأسود والأبيض، أن التحكم يصنع الأحزاب لمعاداتهم ولمعاداة الإسلام، وأن هذا التحكم هو السلطة الخفية في البلاد، ويفهم الشباب ببراءتهم أنها هي السلطة المركزية النافذة في البلاد، فيشعرون بالحقد تجاه هذا البعبع الذي يتآمر على حزبهم الصالح المصلح، وهو خفي وخيالي لا يرونه ولا يبصرونه.

بهذه الطريقة، يصبح الحزب مشتلا للتطرف وللراديكالية وللعدمية، والكلام الذي يردده القادة في الصباح والمساء حول الولاء لثوابت البلاد ولمقدسات البلاد يصبح كلاما تذروه رياح عقيدة انعدام الثقة في الحياة السياسية التي تنغرس في صدور الشباب بالشحن اليومي، إنها لعبة خطيرة وقاتلة، وتكشف عن غياب للحكمة، وغياب للوعي الدقيق، واليوم يحتاج المغرب إلى تحصين المجتمع من أوبئة الأحقاد والعداوات التي تحرق اليوم الشرق العربي، وتهدمه بشريا وعمرانيا ساعة بساعة، وتلتهم الأخضر واليابس، وقد نصحو ذات صباح فنجد الشرق العربي وقد تصحر بشريا وحضاريا.

نحن في شديد الحاجة إلى قادة سياسيين ينشرون الحكمة والوئام والسجال السياسي والفكري البعيد عن التكفير السياسي والتخوين السياسي، والبعيد عن خلط النقد السياسي بالاتهام الديني. وينبغي أن يبتعد القادة عن خطاب احتكار الإسلام، فإذا قرأ إلياس العماري آية قرآنية يؤصل بها للمصالحة، فهل يصح أن يرد عليه بنكيران بأن القرآن يضل الله به كثيرا ويهدي به كثيرا، وإذا قال إلياس العماري بأنه وحزبه سيواجه الإسلاميين قامت قيامة الإسلاميين واعتبروا ذلك حربا على الإسلام، وتعاموا على أن الإسلام مقدس، وأن النزال والصراع هو سياسي بحت ومع القوى الإسلامية التي تمارس العمل السياسي في المعترك السياسي.

ولو أن الإسلاميين بقوا في مساجدهم للوعظ والإرشاد فلن ينازلهم أو يوجههم أحد، لا إلياس ولا غيره، وإذا اجتهد أحد الكتاب وقرأ قراءة غير موفقة وغير دقيقة في كتب السلف، معتقدا أنه يدافع بحسن نية عن الإسلام وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ثارت ثائرة الثائرين على الكاتب وعلى الجريدة، وأسقطت الطائرة من جديد على إلياس العماري وحزبه، بالرغم من أنهم لا علاقة لهم مع الكاتب ولا رأي لهم فيما كتب، ولا مسؤولية لهم على الجريدة.

ونحن نقول وفق ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلا شققتم على قلوب الناس حتى تعلموا الكفر من الإيمان في قلوبهم، ونقول أيضا وفق ما قال، ماذا تفعلون بلا إله إلا الله إذا جاءتكم يوم القيامة، ولكن نقول أيضا للمتحررين كثيرا من سلطان الدين، رفقا بأنفسكم من المساس بعقائد الناس، فللناس عواطف على عقائدهم، وللعواطف نيران من غضب، ولهؤلاء وللإسلاميين ولحزب العدالة والتنمية أقول: لا تلعبوا مع النيران بالنيران.

شارك هذا المقال: